نهاد القاضي
مرّ وقت طويل على الانتخابات البرلمانية الأخيرة في إقليم كوردستان دون أن تتمكن القوى السياسية من تشكيل الحكومة الجديدة، رغم أن الانتخابات أفرزت نتائج واضحة من حيث ترتيب القوى السياسية. فمنذ بداية المفاوضات برزت خلافات تتعلق بتوزيع المناصب السيادية والوزارات الأساسية، ثم امتدت الخلافات إلى ملفات أخرى داخل الإقليم وخارجه، مما أدى إلى تعميق حالة الجمود السياسي.
ومن الطبيعي في أي نظام ديمقراطي أن تختلف الأحزاب حول البرامج والمناصب والتحالفات، لكن غير الطبيعي أن يستمر الخلاف إلى الحد الذي يؤدي إلى تعطيل تشكيل الحكومة وتعثر عمل المؤسسات الدستورية لفترات طويلة، لأن المتضرر الأول والأخير من ذلك ليس الأحزاب السياسية، وإنما المواطن الذي منح صوته أملاً في تحسين واقعه المعيشي والخدمي.
ومن الناحية الديمقراطية لا يوجد ما يلزم الحزب الفائز بالمركز الأول بإشراك الحزب الثاني في الحكومة إذا كان يمتلك أغلبية تمكنه من تشكيلها، كما لا يوجد ما يجبر أي حزب على الدخول في تحالف مع جهة سياسية لا يثق بها أو يختلف معها في الرؤية والبرنامج السياسي. فالتحالفات السياسية تقوم على التوافق والإرادة الحرة، لا على الإكراه.
وتشير تجارب الأنظمة البرلمانية في العديد من الدول الديمقراطية إلى أن امتلاك أغلبية عددية لا يعني بالضرورة قيام تحالف حكومي تلقائي بين الأطراف المختلفة. فكثيرًا ما ترفض أحزاب سياسية الدخول في حكومات ائتلافية مع قوى أخرى رغم الحاجة العددية إليها، بسبب انعدام الثقة السياسية أو التباعد في الرؤى والبرامج أو الخلافات المتراكمة. وفي مثل هذه الحالات قد تستمر المفاوضات لفترات طويلة، وقد تُجرى انتخابات مبكرة، أو تُبحث صيغ تحالف بديلة، دون أن يُعد ذلك خروجًا على المبادئ الديمقراطية.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن رفض أي حزب الدخول في تحالف مع طرف سياسي معين لا يمكن اعتباره بحد ذاته مخالفة للديمقراطية. فالديمقراطية تكفل حق الأحزاب في اختيار شركائها السياسيين، لكنها في المقابل لا تعفيها من مسؤولية إيجاد حلول عملية تمنع استمرار الفراغ السياسي وتعطل المؤسسات الدستورية.
لكن خصوصية التجربة السياسية في إقليم كوردستان تكمن في أن الحزبين الرئيسيين شكلا معًا الحكومات المتعاقبة لعقود طويلة، الأمر الذي جعل النظام السياسي قائمًا عمليًا على الشراكة بينهما. ولذلك فإن استمرار الخلاف بينهما لا يؤدي فقط إلى أزمة سياسية عابرة، بل ينعكس مباشرة على استقرار المؤسسات العامة وقدرتها على أداء وظائفها. وفي الوقت نفسه، فإن الأحزاب المعارضة ليست ملزمة بالمشاركة في الحكومة، بل إن وجود معارضة حقيقية وفاعلة يعد أحد أهم ركائز الديمقراطية. غير أن دور المعارضة لا يقتصر على رفض المشاركة في السلطة، وإنما يمتد إلى ممارسة الرقابة البرلمانية وتقديم البدائل السياسية والمساهمة في حماية المؤسسات الدستورية. فالمعارضة البناءة لا تعني الوقوف على هامش الأحداث، كما لا تعني ترك مؤسسات الدولة في حالة شلل دائم.
ومن هنا فإن تفعيل البرلمان يجب أن يكون أولوية لا تقل أهمية عن تشكيل الحكومة نفسها. ففي الأنظمة البرلمانية قد تتأخر الحكومات نتيجة الخلافات السياسية، لكن البرلمان يبقى المؤسسة التي تمثل إرادة الناخبين وتمارس التشريع والرقابة. أما تعطيل البرلمان فيعني عمليًا تعطيل صوت المواطنين وتعليق جزء أساسي من العملية الديمقراطية.
كما أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها بالكامل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالإقليم. فمن الطبيعي أن تمتلك الدول المجاورة والقوى الدولية مصالح سياسية واقتصادية وأمنية تسعى إلى حمايتها. غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود تلك المصالح بحد ذاتها، بل في قدرة الانقسامات الداخلية على فتح المجال أمام التأثيرات الخارجية. فكلما ضعفت المؤسسات وازدادت الخلافات الداخلية، أصبحت الساحة السياسية أكثر عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، فإن تحميل المسؤولية لطرف واحد لا يساعد على فهم الأزمة ولا على إيجاد حلول لها. فالأحزاب الكبيرة تتحمل مسؤولية أساسية بحكم حجمها السياسي وتأثيرها المباشر في القرار العام، إذ إن الصراع على النفوذ والمناصب والصلاحيات أسهم في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الأحزاب الصغيرة من جزء من المسؤولية السياسية. فبعض هذه القوى قد ترى في استمرار الخلاف بين الأحزاب الكبرى فرصة لتعزيز حضورها الانتخابي وتوسيع نفوذها السياسي، وهو حق مشروع في إطار المنافسة الديمقراطية. لكن المنافسة السياسية المشروعة تختلف عن الاستثمار في استمرار الأزمات وتعطيل المؤسسات. فنجاح أي حزب يجب أن يتحقق من خلال تقديم البدائل والحلول، لا من خلال انتظار تعثر الآخرين أو الاستفادة من حالة الانقسام المستمرة.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في عدد المقاعد التي يمتلكها هذا الحزب أو ذاك، ولا في هوية الجهة التي تشغل هذا المنصب أو ذلك، بل في غياب توافق سياسي يسمح للمؤسسات الدستورية بالقيام بواجباتها تجاه المواطنين. فالديمقراطية لا تعني أن يتفق الجميع على كل شيء، لكنها تعني وجود آليات دستورية تمكن الدولة من الاستمرار والعمل رغم الخلافات.
ولهذا فإن الحل لا يكمن في إقصاء أي طرف، ولا في الرهان على أن تؤدي انتخابات جديدة إلى تغيير جذري في موازين القوى، خصوصًا في ظل غياب مؤشرات تدل على قدرة أي حزب على الحصول على أغلبية تمكنه من الحكم منفردًا. بل إن الحل الأقرب إلى الواقعية يتمثل في إعادة تفعيل البرلمان، واحترام نتائج الانتخابات، وتعزيز دور المعارضة، والاتفاق على برنامج حكومي واضح يضع مصالح المواطنين فوق الحسابات الحزبية.
ففي نهاية المطاف، قد تربح الأحزاب جولة سياسية هنا أو هناك، لكن الخاسر الحقيقي من استمرار الأزمة هو المواطن الذي ينتظر مؤسسات فاعلة وخدمات أفضل واستقرارًا سياسيًا واقتصاديًا. ولذلك فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي من جميع القوى السياسية، كبيرة كانت أم صغيرة، أن تدرك أن شرعيتها لا تقاس بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على تحويل تلك المقاعد إلى خدمة عامة ومؤسسات تعمل لصالح المجتمع بأكمله.
ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت جميع الأحزاب تؤكد أنها تمثل إرادة الشعب، فهل يجوز أن تبقى إرادة الشعب ومؤسساته الدستورية معلقة كل هذه المدة بسبب الخلافات السياسية؟ إن احترام إرادة الناخبين لا يتحقق فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر القدرة على تحويل نتائج الانتخابات إلى مؤسسات فاعلة تعمل لخدمة المواطنين وتحفظ استقرار الإقليم ومستقبل.