عقيدة بارزان والتطور البنيوي للهوية الكوردستانية

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا

تتجاوز الحركات التحررية في قراءاتها السوسيولوجية والسياسية المعاصرة مجرد التمرد العفوي أو رد الفعل الميكانيكي على سياسات المراكز الشوفينية، لتتحول في جوهرها إلى مختبرات فكرية لإنتاج الوعي السياسي وإعادة صياغة الهوية الوطنية على أسس عقلانية ومؤسساتية.
وفي الفضاء الجيوسياسي الكوردستاني، لم تكن الهوية يوماً معطى جينالوجياً جامداً أو مجرد تحديد جغرافي استاتيكي، بل كانت نتاجاً حيوياً لصيرورة تاريخية وتراكم معرفي قادته المرجعية الروحية والسياسية المتمثلة في عقيدة بارزان.
هذه العقيدة التي يمكن تفكيكها بنيوياً وسيميائياً عبر تتبع خطوطها الإرشادية وسياقها التطوري، ابتداءً من قادة النهج والطريقة الأخلاقية، وصولاً إلى مأسستها السياسية الحديثة كأنموذج للتعددية والحوكمة المستدامة.
إن التأسيس الفلسفي الأولي لعقيدة بارزان يعود بجذوره العميقة إلى الطليعة التنويرية التي قادها الشهيد الشيخ عبد السلام بارزاني، والذي مثّل قفزة نوعية في الوعي السياسي المبكر للمنطقة عبر صياغته لـعقد اجتماعي ورؤية إصلاحية متكاملة سبقت أدبيات الحداثة السياسية الغربية في كثير من جوانبها، إذ وضع الشيخ الشهيد اللبنات الأولى للعدالة الاجتماعية القائمة على حماية الملكية العامة، وحرمة الفرد وصون كرامته، وحماية البيئة كواجب أخلاقي، فضلاً عن تأصيله لمفهوم التآخي الديني الإنساني، وهو ما تجسد عملياً في حلفه التاريخي الاستراتيجي مع الشهيد “مار شمعون” بطريرك الكنيسة المشرقية الآشورية، مرسياً بذلك الحجر الأساس الفعلي لثقافة التعايش المشترك وقبول الآخر المختلف دينياً وقومياً قبل أكثر من قرن من الزمان في بيئة كانت تموج بالاضطرابات.
هذه النواة الفلسفية شهدت نضجاً بنيوياً وأيديولوجياً عميقاً في عهد الشيخ أحمد بارزاني، قائد السلم والبيئة، الذي نقل عقيدة بارزان من فضاء الإصلاحات الموضعية إلى مستوى اللاهوت الاجتماعي الإنساني الشامل، حيث وضع ضوابط معيارية صارمة تُجرّم التمييز العنصري والديني والطبقي، وعمل على تجذير قيم التسامح المطلق كأصل تكويني ثابت في وجدان المجتمع الكوردستاني، حامياً التنوع الإثني والروحي ومحارباً بضراوة الأفكار التعصبية والإنغلاقية الضيقة، في وقت كانت البيئة الإقليمية المحيطة تتجه فيه بسرعة قياسية نحو الراديكالية القومية الفاشية والنزعات الشوفينية الإقصائية.
ومع انتقال الحركة التحررية الكوردستانية إلى طورها المؤسساتي القومي الشامل على يد قائد الأمة الزعيم الخالد مصطفى بارزاني، تحولت هذه العقيدة الأخلاقية والاجتماعية من إطارها المحلي إلى استراتيجية سياسية وعسكرية وعقيدة كفاحية أدارت كبرى الثورات التحررية كـ ثورة أيلول العظيمة وثورة كولان، حيث أرسى البارزاني الخالد القاعدة الذهبية والمعيار الأخلاقي الأسمى للثورة الكوردستانية بوصيته التاريخية الصارمة للثوار بألا يخلطوا بين الشعوب والأنظمة القمعية.
ومن هذا المنطلق البنيوي، لم تُبن الهوية الوطنية الكوردستانية في أدبيات الثورة على كراهية الآخر أو الشوفينية المضادة، بل رأت في الشعب العربي وبقية شعوب المنطقة شريكاً حقيقياً في الوطن وضحية مباشرة للأنظمة الديكتاتورية الشمولية ذاتها، مما حال دون انزلاق النضال الكوردي عبر عقود من القمع الممنهج والأنفال والكيماوي إلى مستنقع الأحقاد الإثنية أو الصراع العرقي الأعمى، محافظاً على النقاء الأخلاقي للحركة التحررية.
وفي الامتداد المعاصر والحديث لهذا الإرث القيمي، حوّل المرجع والرئيس مسعود بارزاني هذه المتبنيات الفكرية والتاريخية إلى نموذج تطبيق عملي يقع في قلب مدرسة الوعي السياسي المعاصر وفلسفة التعددية الليبرالية، وهو ما تفسره بوضوح النظرية البنائية (Constructivism) في العلاقات الدولية والعلوم السياسية، حيث لا تُفرض الهويات قسراً بأدوات الدولة الشمولية وأيديولوجيتها الإقصائية، بل تتخلق وتتشكل ديناميكياً عبر التفاعل المجتمعي الإيجابي، والممارسات المعيارية المشتركة، والاعتراف المتبادل بالحقوق والخصوصيات. وقد تجسد هذا الوعي البنائي عند الرئيس مسعود بارزاني في قدرته الفائقة على قيادة التغيير نحو صياغة هوية وطنية كوردستانية جامعة وشاملة لا تلغي الخصوصيات الفرعية أو تذيبها قسراً، بل تحتضنها كعنصر قوة وإثراء ثقافي وحضاري.
لقد تُرجم هذا الفكر عملياً ومؤسساتياً في الرفض القاطع من قبل الرئيس مسعود بارزاني لاستخدام مصطلح “الأقليات” الذي يحمل في طياته أبعاداً دونية وتهميشية، واستبداله قانونياً وسياسياً بمصطلح “المكونات”، ليصبح الجميع مواطنين أصلاء ومتساوين من الدرجة الأولى، من مسلمين، ومسيحيين، وإيزيديين، وكاكائيين، وزرادشتيين، وصابئة، وكورد، وعرب، وتركمان، وكلدان، وسريان، وآشوريين، متعايشين داخل لوحة فسيفسائية حية ومُمثلة بشكل عادل، هيكلياً وسيادياً، في مؤسسات إقليم كوردستان وحكومته وبرلمانه، وكذا في أدبيات وهياكل الحزب الديمقراطي الكوردستاني، لتهيمن عقيدة بارزان عبر هذا التسلسل القيادي التاريخي والتطوري المستمر من الشيخ عبد السلام والشيخ أحمد و بارزاني الخالد وصولاً إلى المرجع والرئيس مسعود بارزاني، بوصفها المحرك الأساسي والموجه البنيوي لوعي سياسي متقدم نقل الهوية الكوردستانية من حيز الدفاع الغريزي عن الوجود البيولوجي إلى فضاء القيادة الأخلاقية والحضارية القائمة على قيم السلم والتعايش المستدام والشراكة الحقيقية.

قد يعجبك ايضا