حين ترفرف الرايات فوق العظام

ماهين شيخاني

I
وقف دارا أمام القاعة.
الراية الكوردية كانت ترفرف فوق الباب، مشدودة كوترٍ قديم، كأنها تعرف أكثر مما تقول.
شدّ ياقة قميصه، ودخل.
II
في الداخل…
لم يكن الهواء يُستنشق، بل يُبتلع.
عرقٌ متراكم،دخان رخيص،وأصوات تخاف أن تُولد كاملة.
جلس دارا.
على المنصة،
رجل يصرخ:
— الوحدة! المصير! الاستقلال!
صفّق الحضور…
تصفيقاً يشبه واجباً ثقيلاً.
دارا صفق بحرارة.
شيء فيه… لم يمت بعد.
III
خلال الاستراحة…
اقترب منه رجل نحيل:
— أنت جديد؟
— نعم.
ابتسم بمرارة:
— إذاً لا تصدق كثيراً… هنا لا يُبنى وطن… هنا يُقسَّم.
ابتعد.
وبقيت الجملة
كشوكة في حلق دارا.
IV
عادوا إلى القاعة.
لكن هذه المرة…
لم تبدأ الكلمات.
بدأ الشجار.
وقف رجل بدين، وجهه محتقن:
— هذه اللجنة من حقنا! نحن من دفعنا! نحن من نظمنا!
ردّ عليه آخر، أكثر أناقة، ببرود قاتل:
— دفعتم؟ دفعتم لمن؟ هذه حصتنا منذ الاتفاق الأول… لا تحاولوا اللعب معنا.
ارتفعت الأصوات.
— أنتم تسرقون كل شيء!
— وأنتم تعيشون على الفتات وتصرخون!
ضرب أحدهم الطاولة.
سقط الميكروفون.
صرخ ثالث:
— اهدؤوا! نحن أمام الناس!
ردّ عليه صوت من الخلف:
— أي ناس؟! كلهم يعرفون!
تحولت القاعة إلى سوق.
أوراق تُلوّح،أصابع تُشير،اتهامات تُقذف كالحجارة.
أحدهم صرخ:
— إن لم نحصل على حصتنا… سنسحب وفدنا!
آخر ضحك بسخرية:
— اسحبوه… من سيلاحظ أصلاً؟
دارا كان واقفاً.
لا يصفق.
لا يجلس.
فقط… يرى.
رأى الشعارات وهي تتكسر في الهواء،
رأى “الوطن” وهو يُجزّأ إلى حصص، رأى الحقيقة…
عارية، وقبيحة.
اقترب منه أحد المنظمين، همس:
— اجلس… هذا يحدث دائماً.
— دائماً…؟
— نعم… لا أحد يخسر… فقط يعيدون التقسيم.
خفض دارا عينيه.
وفهم… أكثر مما يجب.
V
انتهى الشجار…
كما ينتهي كل شيء هنا:
بابتسامات مصطنعة، ومصافحات باردة، واتفاق… لا أحد يؤمن به.
صفقوا.
عادوا إلى المنصة.
وكأن شيئاً لم يحدث.
VI
خرج دارا.
الشمس كانت تغيب ببطء،كأنها ترفض أن ترى أكثر.
نظر إلى الراية.
لا تزال ترفرف.
جميلة.
نظيفة.
بعيدة… عن كل شيء.
اقترب.
أسفل العمود…
كان هناك بئر.
قديم.
متشقق.
صامت.
ألقى حجراً.

لا صوت.
انحنى.
نظر.
ثم تجمّد.
لم يكن فارغاً.
كان ممتلئاً.
رايات قديمة.
شعارات مهترئة.
صور شهداء بلا أسماء.
ملفات مغلقة.
وعظام… كثيرة.
عظام لا تصرخ.
عظام… اعتادت أن تُنسى.
تراجع ببطء.
همس:
— لم يخونوا الراية…
هم فقط… يرمون ما تحتها.
رفع رأسه.
كانت الراية ترفرف…
فوق العظام.
VII
عاد إلى القرية.
استقبله الأطفال:
— عمو دارا! متى نحصل على وطن؟
نظر إليهم طويلاً.
ثم قال:
— عندما نتوقف… عن تقاسمه.
لم يفهموا.
لكنهم صمتوا.
VIII
في الصباح…
لم يحمل راية.
لم يذهب إلى مؤتمر.
حمل مجرفة.
سأله طفل:
— ماذا ستفعل؟
نظر إلى الأفق…
وقال:
— سأحفر…
— لماذا؟
ابتسم، ابتسامة ثقيلة:
— لأنهم دفنوا كل شيء…
وأحدهم يجب أن يبدأ بالحفر.

قد يعجبك ايضا