صبري الموجي:
في كتاب «روائع الطنطاوي» لصاحبه الموسوعي الشيخ علي الطنطاوي وبتصرُفٍ أنّ أحد الثقات المشهودِ لهم بالصدق في القول، والحيادية في النقل ـ بلا تقليل أو تهويل ـ كان في زيارة لمدينة «لندن» الإنجليزية، وأثناء سيره في أحد الشوارع، رأى طُغمة (جماعة) من البشر يصطّفون في طابور طويل، ينتهي بهم إلى منفذٍ لتوزيع المواد الغذائية، ولا يمكن لأحدٍ منهم أن يصل إلي نافذة التوزيع إلا من خلال ذلك الصف، فيأتي اللاحقُ في عقب السابق، دون مُزاحمة أو ضجيج، أو صياحٍ أو عويل، وإن شئت فقل دون أن تسمع لهم همسا. فلا يأخذ أحدٌ مكانَ أحد، الكلُّ يحترمُ الدور، سواء كان وزيرا أو خفيرا، غنيا أو فقيرا، رجلا مُسنا يتَّكئ على عصاه، أو شابا فتيا تهتزُ الأرض من تحت قدميه، طفلا أو امرأة، شابا أو فتاة. كانت هذه حالهم في كلّ تجمع .. أمام دور السينما وبيوت المسرح، أمام منافذ البيع وشبابيك تذاكر المترو والباصات، أمام مكاتب البريد وأكشاك الجرائد وخلافه، فلا تقع عينُك إلا على النظام واحترام الآخرين. يقول الكاتب: ثم عضّ صديقي راوي المشهد على شفتيه مُتعجبا، واسترسل قائلا: بل إنّ النظام في هذه المدينة، انتقل بالتبعية من البشر إلى الحيوانات، فقد ألفيتُ ـ في أحد الطوابير ـ كلبا يحملُ في فمه سلّة بها نقودٌ وورقةٌ مكتوبٌ فيها ما هو مطلوبٌ شراؤه من مواد غذائية، وكلّما خطى السابقُ للكلب في الصف خطوة، كان الكلب في عقبه، دون أن يتخطّى الكلبُ دوره، أو أن يتخطّى أحدٌ دور الكلب. ظلّت الحال كذلك، حتى وصل الكلب إلى شباك الصرف، وجئ له بما هو بالورقة، دون أن يطمع في دوره طامع، أو يُسلبه حقَّه سالب!
يقول « الطنطاوي» وبعد أن فرغ صديقي من حكايته، شرد ذهني للحظات، قارنتُ فيها بين حالنا، وحال ذلك المجتمع، الذي عرف النظام في كلّ شيء، ومن منبت رأسه إلى أخمص قدميه، حتى إنّه انتقل بالتبعية إلى الحيوانات، بينما نتخبّطُ نحن في دروب الفوضى والغوغائية والفهلوة، إذ يرفع الناس شعار: «وفاز باللذات كلُّ فوضاوي غوغائى، طاعنٍ بسكين باردة في كبد النظام واحترام حقوق الآخرين»، وكان من نتيجة ذلك أن نرى أناسا فى قمة «الأبّهة» يُزاحمون ويصيحون، وكثيرا ما يكذبون لأخذ دور الآخرين، سواء أمام أكشاك الخبز، أو المُجمّعات الاستهلاكية، أو منافذ التموين والمواد الغذائية، أو في أي طابور من الطوابير، التي ترى فيها العجب العجاب. فتراك مثلا ـ بعدما وصلت بشقّ النفس لنافذة تحقيق الخدمة التي تريدها ـ مشدودا من «قفاك»، أو مخلوعا من ملابسك ليحلّ غيرُك محلك، أو أنّك تفاجأ بيد خلفك تتخطاك لتأخذ دورك. وترى الشيء نفسه بمحطات المترو، التي يكثر فيها التدافع والهرج؛ مما يسبب إصابات وربما وفايات. وليست المستوصفات الطبية بأحسنَ حالا، وغيرها الكثيرُ والكثير من المصالح والهيئات، التي صار فيها الزحام والتعدي على حقوق الغير هو اللغة السائدة، والواقع المعيش.
هذه الحكاية، التي حُكيت للشيخ علي الطنطاوي في دولة لا دينية، تجعل الواحد منا يضرب كفّا بكف؛ حسرة على حالنا، التي لم ترق لحال كلاب الغرب، بيد أنها تحترم النظام ويحترمُها !