أ.د.خليل مصطفى عثمان
عند إخضاع الواقع السياسي الكوردستاني الراهن لمبضع التحليل التاريخي، نجد أنفسنا أمام مفارقة تراجيدية؛ فبالرغم من ثراء التجربة الكوردية بالدروس والعبر، إلا أن السلوك الحزبي لا يزال أسيراً لـ “دوامة التكرار” التي أنتجت ما يمكن وصفه بـ التفرقة المميتة. إن هذا المقال لا يرصد واقعاً عابراً، بل يحلل ظاهرة تاريخية تجذرت في العقلية السياسية للأحزاب، مؤديةً إلى استنزاف المكتسبات القومية وهدر التضحيات الجسيمة.
تاريخياً، أثبتت المنعطفات الكبرى أن المنجز الكوردستاني كان دائماً يرتبط طردياً بمدى وحدة الخطاب السياسي، بينما كان “التخاذل” نتاجاً حتمياً لكل مرحلة طغت فيها الأجندة الحزبية الضيقة على المشروع الوطني الشامل.
وبالنظر إلى حال كوردستان اليوم، نجد أن الأحزاب لم تستفد من دروس الماضي القريب أو البعيد؛ فالتشرذم في بغداد ليس مجرد تباين تكتيكي، بل هو خلل استراتيجي يعكس عجز هذه القوى عن صياغة “كتلة حرجة” قادرة على انتزاع الحقوق الدستورية وقوت المواطنين. هذا التشتت يمنح الطرف الاخر ثغرات قانونية وسياسية لاستغلالها، مما يحول الاستحقاقات القومية إلى أدوات للمقايضة والابتزاز.
بالتحليل الوجداني المرتبط بالذاكرة الجمعية، يبرز تساؤل جوهري حول مدى اتساق الشعارات الحزبية مع حقيقة الولاء للوطن. فالتاريخ لا يعترف بالعواطف، بل بالنتائج؛ ومن يرفع شعار “حب كوردستان” بينما يمارس سياسة تشتيت الصف، يضع نفسه في تضاد صارخ مع قيم الحركة التحررية الكوردستانية. إن دماء ضحايا الأنفال والشهداء لم تُسفك لتكون وقوداً لصراعات النفوذ والمناصب، بل كانت ثمناً لكيان سياسي موحد وقوي.
إن الاستمرار في هذا النهج يُعد استرخاصاً لتلك التضحيات، بل وتنكراً لمسار نضالي طويل كُتب بالدم لا بالحبر.
إن القراءة المستقبلية وفق هذا المنهج تشير إلى أن الاستمرار في هذه “التفرقة القاتلة” سيقود حتماً إلى محاسبة تاريخية واجتماعية قاسية. فالأجيال الصاعدة، التي نشأت في ظل أزمات ناتجة عن عدم التوحد، لن ترحم من جعل من حقوقها وقوتها ثمناً لمصالح فئوية. التاريخ يسجل، والجيل القادم يراقب، والحساب لن يكون سياسياً فحسب، بل وجودياً.
ختاماً، إن التوحد في بغداد ليس خياراً ديبلوماسياً، بل هو ضرورة تاريخية لضمان البقاء. لقد كفى شعب كوردستان ما عاناه من ويلات الانقسام، وعلى الأحزاب أن تدرك أن شرعيتها لا تأتي من السلطة، بل من مدى قدرتها على صون كرامة الإنسان الكوردستاني. التاريخ لن يسجل أسماء المتخاذلين إلا في صفحات الضياع، والفرصة لا تزال قائمة لتصحيح المسار قبل أن يغلق التاريخ أبوابه ويعلن حكمه النهائي الذي لا يقبل الاستئناف.