د. نزار الربيعي
تمثل الوسطية الدينية أحد أهم المفاهيم التي ارتبطت بالفكر الإسلامي عبر مراحله التاريخية، إذ قامت على مبدأ الاعتدال والتوازن والابتعاد عن مظاهر الغلو والتطرف والانغلاق الفكري. وقد برزت الطريقة الكسنزانية بوصفها إحدى المدارس الصوفية المعاصرة التي سعت إلى تقديم نموذج ديني قائم على التسامح والانفتاح الروحي والاجتماعي، مع التركيز على بناء الإنسان أخلاقياً وروحياً وفكرياً.
يقصد بالوسطية الدينية الاعتدال في الفكر والسلوك والممارسة، بحيث يتحقق التوازن بين متطلبات الروح والجسد، وبين الدين والدنيا، وبين الفرد والمجتمع. وقد ورد مفهوم الوسطية في القرآن الكريم بوصفه دلالة على العدل والاعتدال والابتعاد عن الإفراط والتفريط، الأمر الذي جعلها إحدى الركائز الأساسية للحضارة الإسلامية.
ارتبطت الطريقة الكسنزانية بالتراث الصوفي القادري، وبرزت بصورة واضحة في العراق قبل أن تنتشر في عدد من البلدان العربية والإسلامية. وتميزت هذه الطريقة بالاهتمام بالتربية الروحية والأخلاقية، فضلاً عن الدعوة إلى المحبة والتسامح ونبذ العنف والتعصب.
يعتمد الفكر الكسنزاني على مجموعة من المرتكزات التي تعزز مفهوم الوسطية، من أبرزها الاعتدال في التعامل مع القضايا الدينية، واحترام التنوع الفكري والمذهبي، والتأكيد على أهمية الأخلاق في بناء العلاقات الإنسانية. ويرى هذا الفكر أن الدين الحقيقي ينبغي أن يكون وسيلة لنشر الرحمة والتسامح وليس أداة لإثارة النزاعات.
تولي الطريقة الكسنزانية اهتماماً كبيراً بالجانب الروحي، إذ ترى أن إصلاح الإنسان يبدأ من إصلاح النفس والقلب. ومن هنا فإن الوسطية في هذا الفكر لا تعني الاعتدال الظاهري فقط، بل تشمل التوازن الداخلي الذي يحقق الانسجام بين الروح والسلوك.
انعكست الوسطية الكسنزانية بصورة إيجابية على المجتمع من خلال تعزيز قيم التسامح والتعايش بين مختلف الفئات الاجتماعية. فالفكر القائم على الاعتدال يرفض التعصب والعنف، ويدعو إلى احترام الإنسان بصرف النظر عن انتمائه الديني أو القومي أو الاجتماعي.
في ظل تصاعد ظواهر التطرف والعنف في العديد من المجتمعات، برزت الحاجة إلى نماذج دينية معتدلة تحمي الشباب من الانجراف نحو الفكر المتشدد. وقد قدم الفكر الكسنزاني خطاباً قائماً على الرحمة والانفتاح، مع التركيز على بناء الإنسان روحياً وفكرياً.
ساهمت الوسطية في الفكر الكسنزاني في تعزيز قيم التعاون والتكافل الاجتماعي، إذ شجعت الطريقة على مساعدة المحتاجين وتقوية الروابط الاجتماعية وترسيخ قيم الاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع، مما أسهم في زيادة التماسك المجتمعي.
كما ساهم الفكر الكسنزاني في الحفاظ على الهوية الثقافية والدينية للمجتمعات التي انتشر فيها، من خلال تقديم فهم معتدل للدين يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويوازن بين الثوابت الدينية ومتطلبات العصر الحديث.
رغم أهمية الوسطية الدينية في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، إلا أنها تواجه تحديات متعددة، من بينها انتشار الخطابات المتشددة، وضعف الوعي الديني الصحيح، وتأثير وسائل الإعلام الحديثة في نشر الأفكار المتطرفة.
لقد أثبتت التجارب الاجتماعية أن المجتمعات التي يسود فيها الاعتدال والتسامح تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية، لأن الوسطية تسهم في تقليل النزاعات الفكرية والاجتماعية وتعزز ثقافة الحوار والتفاهم.
يتضح من خلال دراسة الفكر الكسنزاني أن الوسطية الدينية ليست مجرد مفهوم نظري، بل مشروع فكري وروحي واجتماعي يهدف إلى بناء مجتمع متوازن يقوم على الاحترام والتسامح والتعايش السلمي، الأمر الذي يجعل هذا الفكر قادراً على الإسهام في تعزيز السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي.