شهادة في حق الأديب والشاعر الأستاذ محمد علي محيي الدين.

ذياب آل غلام

إن علاقتي به لم تكن مجرد زمالة في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، بل كانت مسيرة نضالٍ ومشاركةٍ في الهموم الزمكانية والجيوسياسية التي شكلت وجداننا الوطني وتجربتنا الإنسانية. أضع هذه السطور انطلاقاً من معايشةٍ طويلة، وتأملٍ في مسيرةِ قامةٍ استثنائيةٍ أثرت المشهد الثقافي العراقي بصدقها وعمقها. وما شهادتي هذه إلا محاولةٌ متواضعةٌ لتوثيق مسارِ حياةٍ تقاطعت طرقي بطريقه؛ فكان نعم الرفيق والمبدع، وهي شهادة، مهما بلغت في محتواها، تبقى نسبية أمام قامةٍ بحجم محمد علي محيي الدين وما قدمه للأدب العراقي.”
​رسالة شهادة في مسيرة الأستاذ محمد علي محيي الدين
​أولاً: أسلوبه ومصادره في كتابة البحث التاريخي
يتميز الأستاذ محمد علي محيي الدين في كتاباته التاريخية بنهجٍ يجمع بين “الرواية الوثائقية” والدقة الأكاديمية الصارمة؛ فهو لا يكتفي بسرد الوقائع الجامدة، بل يغوص في أعماق الأحداث لاستجلاء الدوافع والسياقات التي شكلت حركة التاريخ العراقي المعاصر. إن أسلوبه يقوم على تقصي المصادر الأولية والمخطوطات غير المنشورة، معززاً ذلك بذاكرة حية لا تعتمد على النقل بقدر ما تعتمد على التحليل والمقارنة. يمتلك قدرة فريدة على “أنسنة التاريخ”، حيث يستحضر الشخصيات والأمكنة وكأنها حية أمام القارئ، موظفاً لغة جزلة ومكثفة تتجنب الحشو، مما يجعل نصوصه مرجعاً أساسياً لمن يريد فهم مفاصل التحول في الفكر والسياسة. إن صرامته في توثيق المعلومات تنبع من إيمانه بأن التاريخ أمانة، وأنه لا بد من تنقية الذاكرة الوطنية من التشويه عبر العودة الدائمة للمصادر الموثوقة والشهادات الحية التي يغطيها بمهارة الباحث المتمكن.
​ثانياً: السمات التي تميزت بها كتاباته
إن السمة الجوهرية التي تطبع كتابات محمد علي محيي الدين هي “الالتزام الفكري والإنساني”. فكتاباته ليست نتاجاً معرفياً فحسب، بل هي صرخة وعي تجاه قضايا الوطن والمجتمع. يتميز قلمه بالقدرة على الجمع بين العمق الفلسفي والوضوح النقدي، حيث تلمس في مقالاته وبحوثه نبض الشارع العراقي ممزوجاً بنظرة الأديب الذي يرى الجمال في خضم المعاناة. ومن السمات البارزة في نتاجه هو “الاستشراف”؛ فهو يقرأ اللحظة الراهنة بعيون التاريخ، مما يمنحه قدرة تنبؤية في تحليل الأزمات السياسية والاجتماعية. كما أن أسلوبه يتسم بالشجاعة في قول الحق، والموضوعية التي لا تحابي أحداً، مع حرص شديد على سلامة اللغة وجمالية التعبير، فكتاباته هي نسيج فريد يربط بين الأدب المقاوم والبحث التاريخي الرصين، مما يجعلها عصية على النسيان، بل ومادة خصبة للدارسين الذين يبحثون عن المصداقية والعمق في آن واحد.
​ثالثاً: رأي الكُتّاب والباحثين في منهجية محمد علي محيي الدين
يجمع الوسط الثقافي والأكاديمي في العراق على أن منهجية محمد علي محيي الدين تشكل علامة فارقة في الدراسات التاريخية والأدبية. يرى الباحثون فيه نموذجاً للمثقف العضوي الذي لا ينعزل في برجه العاجي، بل يضع منهجه في خدمة الحقيقة. ما يثير إعجاب أقرانه هو “تعددية الأدوات”؛ فهو يزاوج بين مناهج البحث العلمي الحديث والحدس الأدبي، وهو مزيج قلما يجتمع في باحث واحد. إن منهجه يتسم بالاستقلالية؛ فهو لا يتبع مدرسة فكرية أو سياسية تفرض عليه رؤيتها، بل يبني منهجه الخاص المستمد من الواقع العراقي وتحدياته. يرى الكتاب والمعاصرون أن ما يكتبه محيي الدين ليس مجرد مادة توثيقية، بل هو “وثيقة حياة” تتسم بالأمانة العلمية العالية، والقدرة على فرز الغث من السمين في الروايات التاريخية المتضاربة. لذا، بات اسمه مرجعاً يوثق به، ومقياساً للموضوعية والنزاهة الفكرية، وهو ما يجعل مشروعه البحثي مشروعاً وطنياً يتجاوز الطابع الشخصي إلى الطابع المؤسساتي في الفكر العراقي.

قد يعجبك ايضا