نهاد القاضي
مقارنة حقوقية واعلامية لتعثر السلطة الرابعة في كوردستان واضعاف الدور الرقابي للصحافة عندما صدر العدد الأول من صحيفة «كوردستان» في القاهرة عام 1898 على يد مقداد مدحت بدرخان، وُلدت الصحافة الكوردية في المنفى، بعيدةً عن أرض الوطن، لكنها حملت في جوهرها روحاً شجاعة وجريئة. لم تخشَ أقلام المؤسسين سطوة السلطة العثمانية آنذاك، بل انبرت لكتابة الحقائق ونشر الوعي بصوت عالٍ ومستقل. اليوم، وبعد مرور128 عاما، نقف أمام مفارقة تاريخية قاسية؛ ففي الوقت الذي أصبحت فيه الصحافة تُمارَس من داخل الوطن وتحت إدارة محلية، تراجعت جرأتها، وأضحت تعيش أزمات بنيوية وأخلاقية، جعلتها تتعثر في أداء دورها المفترض كـ (( سلطة رابعة )) من منظور سوسيولوجي وإعلامي، يمكن تصنيف الفاعلين في الحقل الصحفي الكوردستاني إلى ثلاث فئات رئيسية، تبتعد جميعها بدرجات متفاوتة عن جوهر الدور الرقابي للصحافة: الفئة الأولى رضخت لرقابة ذاتية خانقة، حيث يدفع الخوف من السلطة أو الملاحقة أو قطع الأرزاق بالصحفي إلى أن يكون رقيباً على نفسه، فيدفن الحقيقة قبل أن ترى النور. أما الفئة الثانية، فقد حوّلت المهنة إلى سلعة تجارية، تبحث عن الجاه والمكاسب عبر الارتهان للمال السياسي، ما أفقد الصحافة استقلاليتها ومصداقيتها. في حين تحوّلت الفئة الثالثة إلى أبواق دعائية، تعمل في خدمة الأحزاب المتنفذة، وتؤدي دور العلاقات العامة للسلطة، بدلاً من أن تكون عين المجتمع الساهرة على مراقبتها. بوارق أمل وسط التحديات رغم هذه الصورة المعقدة، فإن الإنصاف يقتضي الإشادة بتلك الأقلام الكوردستانية النزيهة والمستقلة، التي لا تزال تقبض على جمر الحقيقة. فهناك صحفيون وصحفيات يكافحون يومياً، بجهود ذاتية وموارد شحيحة، للحفاظ على شرف المهنة، ويرفضون الانخراط في جوقة التطبيل أو الانجرار خلف خطابات الكراهية. هؤلاء يمثلون النواة الحقيقية التي يمكن البناء عليها لإصلاح مسار الصحافة الكوردستانية، واستعادة زمام دورها لتكون سلطة رابعة حقيقية، لا سلطة منتفعة. غياب المظلة الحقوقية وتهميش القوانين إن تحوّل الصحافة إلى سلطة رابعة حقيقية لا يتحقق عبر الشعارات، بل بالاستناد إلى المنظومة الدولية لحقوق الإنسان. تنص المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها دون قيود. ورغم وجود قوانين محلية للعمل الصحفي، فإن التطبيق العملي يشهد تراجعاً خطيراً، حيث تُستخدم مفاهيم فضفاضة مثل «الأمن القومي» و«المصالح العليا» لتكميم الأفواه، بدلاً من حماية الصحفيين وضمان حق الوصول إلى المعلومة. فوضى التواصل الاجتماعي وخطاب الكراهية وفي خضم هذه الأزمة، برز تحدٍ حديث وخطير يتمثل في الفوضى العارمة على منصات التواصل الاجتماعي. لقد تم اختطاف هذه المنصات من قبل ما يُعرف بـ “الإعلام الموازي” والجيوش الإلكترونية الخفية التابعة لمراكز النفوذ. بدلاً من أن تكون مساحات للحوار الديمقراطي، تحولت العديد من الصفحات إلى منصات ممنهجة لبث “خطاب الكراهية” Hate Speech)، ) إثارة الفتنة، التشهير، واالتهجم على الشخصيات المعارضة. هذا الضجيج المفتعل والممول بأموال غير شفافة، لا يخدم بأي شكل من الأشكال حرية التعبير، بل على العكس؛ إنه يخلط الأوراق، يُسمم الفضاء العام، ويضرب مصداقية “الصحافة النزيهة” في الصميم، جاعلاً من الصعب على المواطن البسيط التمييز بين الحقيقة والشائعة. قصر الكلام إن استعادة الصحافة الكوردستانية لدورها كسلطة رابعة يتطلب فك ارتباطها بالمال السياسي، وتوفير بيئة قانونية تحمي الصحفيين، ومواجهة خطاب الكراهية بحزم أخلاقي وقانوني، حتى تعود الصحافة صوتاً للمجتمع لا تابعاً للسلطة.