إقليم كوردستان “العقدة الذهبية” في مشروع البحار الأربعة: من الجغرافيا المغلقة إلى الشريان الأبهر للطاقة
أ.د خليل مصطفى عثمان
تعد التحولات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط بمثابة زلزال يعيد تشكيل تضاريس القوى والنفوذ، وفي قلب هذا المشهد يبرز مشروع “البحار الأربعة” ليس كخيار اقتصادي فحسب، بل كضرورة وجودية لإعادة صياغة هوية المنطقة من ساحة للصراعات المسلحة إلى عقدة عالمية لسلاسل التوريد والطاقة. هذا المشروع الطموح، الذي يهدف إلى خلق شبكة ربط مائي ولوجستي وطاقي تجمع بين الخليج العربي وبحر قزوين والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، يمثل محاولة تاريخية لكسر ارتهان التجارة العالمية للممرات المائية التقليدية مثل مضيق هرمز وقناة السويس ومضيق باب المندب، وهي ممرات أثبتت الأزمات الأخيرة في الخليج والبحر الأحمر أنها قد تتحول في أي لحظة إلى نقاط خنق اقتصادية تؤثر على أمن الطاقة العالمي.
إن الرؤية التي تنطلق منها دمشق وأنقرة في إحياء هذا المقترح تعتمد على تحويل الجغرافيا السياسية المتوترة إلى جغرافيا تشغيلية منتجة، حيث تصبح سوريا وتركيا الشريان الأبهر الذي يغذي الأسواق الأوروبية بالغاز والنفط القادم من أعماق آسيا والخليج. ومع ذلك، يظل إقليم كوردستان العراق هو “الترس” الأهم في هذه الماكنة المعقدة؛ فبدون الانخراط الكامل والفاعل للإقليم، تظل هذه الخطوط المخطط لها على الورق تفتقر إلى الجسر البري الحقيقي. فإقليم كوردستان لا يمتلك الموقع الاستراتيجي فحسب، بل يمتلك أيضاً احتياطيات غازية ضخمة ومستقرة، مثل حقل “خورمور”، الذي يمثل حجر الزاوية في أي مشروع مستقبلي لتصدير الغاز نحو الشمال.
إن التكامل بين الغاز الكوردستاني والشبكة التركية وصولاً إلى المتوسط، سيخلق واقعاً اقتصادياً يجعل من الإقليم لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن القومي الطاقي لأوروبا.
وعلى مستوى الدولة العراقية الفيدرالية، يمثل مشروع “البحار الأربعة” بوابة لاستعادة بغداد دورها الريادي كمركز ثقل في توازنات الطاقة العالمية، حيث سيمنح العراق منفذاً استراتيجياً جديداً لتصدير نفط البصرة وكركوك عبر المسارات الشمالية، مما يقلل الاعتماد الكلي على موانئ الخليج والمضايق المهددة بالإغلاق. كما سيوفر المشروع للدولة العراقية عوائد مالية ضخمة من خلال رسوم الترانزيت وتنشيط حركة الموانئ الجافة والمناطق الحرة، بالإضافة إلى تعزيز “طريق التنمية” العراقي عبر ربطه بشبكات السكك الحديدية الدولية ضمن هذا المشروع الرباعي.
هذا التكامل سيحول العراق من مجرد “دولة ريعية” تعتمد على بيع النفط، إلى “دولة محور” تتحكم في ممرات التجارة العالمية، مما يعزز من سيادتها الوطنية ويمنحها ثقلاً سياسياً في مفاوضاتها مع القوى الإقليمية والدولية.
وعلى صعيد المكاسب المباشرة للإقليم، سيوفر انخراط كوردستان في هذا المشروع قفزة نوعية في مكانته؛ إذ سيتحول من منطقة ذات جغرافيا مغلقة إلى منصة دولية لتصدير واستلام الطاقة، مما يمنحه “حصانة جيوسياسية” ناتجة عن تشابك مصالحه مع القوى الكبرى. اقتصادياً، سيؤمن المشروع للإقليم تدفقات مالية مستدامة من رسوم عبور الغاز والنفط، فضلاً عن تحفيز النهضة الصناعية من خلال توفر الطاقة بأسعار تنافسية، وهو ما سيخلق آلاف فرص العمل ويجذب الاستثمارات الأجنبية في قطاعات اللوجستيات. كما سيسهم المشروع في فك العزلة الجغرافية للإقليم عبر ربطه بطرق سريعة دولية تصل الخليج بالبحر المتوسط، مما يجعل من مدنه مراكز تجارية كبرى ومخازن استراتيجية للسلع العابرة للقارات.
من الناحية الفنية، يوفر المشروع فرصة لإعادة تأهيل البنية التحتية السورية المتهالكة عبر ربطها بخطوط الأنابيب والسكك الحديدية المارة بالإقليم وتركيا، مما يخلق شبكة نقل متعددة الوسائط تخفض تكاليف الشحن. بالنسبة لدمشق، يعني هذا الانتقال من حالة “الدولة المعزولة” إلى “الدولة الممر”، مما يضمن استقرارها الأمني.
أما بالنسبة لتركيا، فإن هذا المشروع هو القطعة الأخيرة في طموحها لتصبح “مركزاً عالمياً للطاقة”، حيث تتدفق طاقة أربعة بحار عبر أراضيها، مما يمنحها أوراق ضغط هائلة في مواجهة الغرب والشرق.
وعلى الرغم من العقبات السياسية، إلا أن لغة المصالح تبدو اليوم أعلى صوتاً من لغة المدافع. فالمستثمر الدولي، الذي يبحث عن بدائل آمنة، يرى في هذا المسار البري فرصة ذهبية للاستثمار في أصول مستقرة.
إن نجاح مشروع “البحار الأربعة” يعني خلق “منطقة مصالح مشتركة” تفرض على الجميع الحفاظ على استقرار هذه الجغرافيا. وفي النهاية، فإن هذا المشروع لا يسعى فقط لربط البحار ببعضها، بل يسعى لربط مصائر شعوب المنطقة بشبكة من المصالح التي تجعل من خيار الحرب مكلفاً وغير عقلاني، مقابل مستقبل يعتمد على تدفق الثروات من شواطئ الخليج وصولاً إلى قلب القارة العجوز.