أ.د.خليل مصطفى عثمان
في منتصف القرن التاسع عشر، وبينما كانت القوى العظمى تتسابق لرسم ملامح “المسألة الشرقية”، انطلق المستكشف البريطاني جورج فاولر (George Fowler) في رحلة لم تكن مجرد مغامرة عابرة، بل كانت مهمة استقصائية وثقت أدق تفاصيل الحياة في جبال كوردستان. كتابة (مغامرات السفر في كردستان)، الصادر في لندن عام 1841 بمجلدين، يمثل اليوم واحدة من أهم الوثائق “الأنثروبولوجية” التي تمنحنا صورة فوتوغرافية مكتوبة عن المجتمع الكوردي قبل أكثر من قرن وثمانية عقود.

لم يكن جورج فاولر (المتوفى عام 1858) مجرد رحالة كلاسيكي يستهويه “الاستشراق الغرائبي”، بل كان مراقباً سوسيولوجياً دقيقاً. في وقت كانت فيه المعلومات عن الكورد تصل إلى أوروبا مشوهة أو مبتورة، قدم فاولر مادة علمية رصينة اتسمت بالإنصاف والتحليل، متجاوزاً الصور النمطية السائدة آنذاك، ليرسم ملامح شعب يمتلك “هوية سياسية واجتماعية” راسخة بعيداً عن هيمنة الإمبراطوريات المحيطة.
أفرد فاولر مساحات واسعة في مجلديه لتحليل الشخصية الكوردية، حيث استوقفته ظاهرة “الارتباط الوجودي بالجبل”. يصف الكورد بأنهم شعب يمتلك أنفة وكبرياءً فطرياً، ويرى أن نمط حياتهم الجبلي صقل فيهم قيم الفروسية والشجاعة.
ويضيف فاولر ملاحظة قيمة حول “قانون الضيافة” عند الكورد، معتبراً إياه ركيزة أخلاقية تسمو فوق الانقسامات، حيث يتحول البيت الكوردي إلى ملاذ آمن للغريب، وهي ميزة اجتماعية رأى فيها فاولر دليلاً على رقي المنظومة القيمية لهذا الشعب.
من الإضافات النوعية التي قدمها فاولر، والتي تعتبر اليوم مادة خصبة للباحثين، هي ملاحظاته حول الدور الريادي للمرأة الكردية. فقد سجل بدهشة إيجابية تفوّق المرأة الكوردية في نيل حريتها ومكانتها مقارنة بالمجتمعات المحيطة في تلك الحقبة.
وصفها بأنها “شريكة في القرار”، لا تحتجب عن الحياة العامة، وتشارك في استقبال الضيوف وإدارة شؤون القبيلة، مما يعكس جذوراً تاريخية لمشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية التي نراها اليوم في إقليم كردستان.
لم يغفل فاولر عن الجانب السياسي؛ فقد وثق نظام “الإمارات والقبائل” بدقة، موضحاً كيف كانت كوردستان تدير شؤونها عبر منظومة من الأمراء ورؤساء العشائر الذين كانوا يمثلون “سلطة محلية” تمتلك شرعيتها من ولادة الأرض لا من فرمان الإمبراطوريات. وصف قلاعهم ومراكز نفوذهم، وقدم قراءة في التوازنات التي كانت تجعل من كوردستان رقماً صعباً في معادلة الصراع العثماني-القاجاري.
تكمن القيمة المضافة لعمل فاولر في كونه “مرآة تاريخية” تعكس أصالة الوجود الكوردي ككيان ثقافي واجتماعي متماسك قبل ترسيم الحدود الحديثة. إن كتابه يثبت أن:
1. الهوية الكوردية لم تكن وليدة صراعات حديثة، بل هي هوية متجذرة في التاريخ والجغرافيا.
2. التعايش الديني والمذهبي الذي وصفه فاولر في مدن كوردستان كان أسلوب حياة طبيعياً قبل أن تعصف الأيديولوجيات بالمنطقة.
3. الوعي بالسيادة كان حاضراً في الوجدان الكردي منذ قرون، متمثلاً في الاستقلالية التي كانت تتمتع بها الإمارات الكردية.
يبقى جورج فاولر، برغم رحيله قبل أكثر من مئة وستين عاماً، وسيطاً ثقافياً نقل “صوت الجبال” إلى العالم. وكتابه “مغامرات السفر في كوردستان” ليس مجرد مذكرات قديمة، بل هو أرشيف وطني يستحق الدراسة بعمق، لأنه يقدم شهادة غريبة (من الخارج) تؤكد حقائق (الداخل) حول شعبٍ صنع من قمم جباله حصوناً للحرية والكرامة.