نجاح هيفو
في عالمٍ يتكاثر فيه الصمت بقدر ما يتكاثر فيه الدم، لم يعد ممكنًا التعامل مع ما يحدث على أنه مجرد “أحداث عابرة” أو “تطورات عسكرية”. نحن أمام لحظة تاريخية ثقيلة، تتكشف فيها نتائج سنوات طويلة من القهر، والتهميش، وتراكم الألم الإنساني دون أي أفق حقيقي للعدالة. ما نشهده اليوم، في إيران، وما تعيشه بيروت، وغيرها من المناطق، ليس بداية الأزمة، بل ذروتها… وليس فعلًا منفصلًا، بل نتيجة حتمية لمسارٍ طويل من الانتهاكات.
إن العمليات العسكرية التي تُنفذ في هذه الأماكن، رغم قسوتها ومرارتها، لا يمكن فهمها خارج هذا السياق. هي ليست فرضًا للسلطة بقدر ما هي ردة فعل طبيعية، وإن كانت مأساوية، على واقعٍ وصل إلى حدٍّ لم يعد يُحتمل. حين تُغلق كل أبواب السياسة، وتُقمع كل أصوات الشعوب، وتُدفن العدالة تحت ركام المصالح، يصبح الانفجار أمرًا متوقعًا، لا استثناءً.
لكن الحقيقة الأخطر ليست في هذه الردود، بل في الأسباب التي أوصلتنا إليها. لأن استمرار هذه الدوامة يعني ببساطة أن العالم لم يتعلم شيئًا، وأن الحكومات لا تزال تُدير ظهورها لشعوبها، وكأن الإنسان مجرد تفصيل ثانوي في معادلة السلطة.
لقد آن الأوان لقولها بوضوح: لا يمكن لأي نظام أن يستمر في تجاهل شعبه دون أن يدفع الثمن. الاستقرار لا يُفرض بالقوة، ولا يُبنى بالخوف، بل يُصنع بالثقة، وهذه الثقة لا تأتي إلا من خلال الحرية، والعدالة، والمشاركة الحقيقية في صنع القرار. الحكومات التي لا تعود إلى طاولة شعوبها، ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا في مواجهة شعوبٍ لم تعد تخاف.
إن الدعوة اليوم ليست إلى مزيد من التصعيد، بل إلى لحظة شجاعة من المراجعة. إلى أن تعود هذه الحكومات، في إيران، وفي لبنان، وفي غيرهما، إلى شعوبها، لا كخصوم، بل كشركاء في المصير. أن تعترف بأن زمن السيطرة المطلقة قد انتهى، وأن زمن الشعوب قد بدأ.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل تجربة أوروبا، التي – رغم كل تعقيداتها وتحدياتها – تقدم نموذجًا مهمًا في إدارة الاختلاف. صحيح أن المقارنة ليست عادلة تمامًا، وأن لكل منطقة خصوصيتها، لكن ما يمكن استخلاصه هو أن التعايش ليس مستحيلًا، حتى في ظل تنوعٍ ديني، وثقافي، وعرقي هائل. في أوروبا، لم يُلغَ الاختلاف، بل تم تنظيمه، ولم تُقمع الهويات، بل حُميت بالقانون.
القانون هناك ليس أداة بيد السلطة، بل هو الإطار الذي يحكم الجميع. هو “سيد العلاقة” بين الدولة والمجتمع، وبين الأفراد أنفسهم. وهذا ما تفتقده الكثير من الدول التي تعيش اليوم أزمات عميقة: غياب مرجعية عادلة، تُنصف الجميع دون تمييز، وتُزيل أسباب الاحتقان قبل أن تتحول إلى صراعات.
كما أن أحد أهم دروس التجربة الأوروبية هو العمل المستمر على تفكيك أفكار العنصرية والتعصب. لأن الكراهية، حين تُترك دون مواجهة، تتحول إلى وقودٍ دائم للعنف. التعايش لا يعني فقط أن نعيش معًا، بل أن نقبل بعضنا البعض، وأن نؤمن بأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل مصدر قوة.
إن العالم اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف أولوياته. لم يعد مقبولًا أن تُقدَّم المصالح السياسية على حساب كرامة الإنسان، أو أن يُبرَّر القمع باسم الاستقرار. لأن هذا “الاستقرار” الهش هو بالضبط ما يُنتج كل هذا العنف لاحقًا.
إن إنهاء آلية الظلم لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية. ليس فقط لإنقاذ الحاضر، بل لحماية المستقبل من الانهيار الكامل. المطلوب اليوم ليس بيانات إدانة، ولا وعودًا مؤجلة، بل خطوات حقيقية نحو الحرية، نحو إشراك الشعوب، نحو بناء أنظمة ترى في الإنسان قيمة، لا عبئًا.
في النهاية، الشعوب لا تطلب المستحيل. هي لا تبحث عن الفوضى، بل عن حياة تستحق أن تُعاش. عن كرامة لا تُنتهك، وعن صوتٍ يُسمع. وإذا لم تستجب الحكومات لهذا النداء، فإن التاريخ سيفرض إجابته الخاصة… كما فعل دائمًا.
لأن اللحظة التي تنفجر فيها الشعوب، ليست لحظة فوضى فقط… بل لحظة ولادة جديدة، تُكتب فيها قواعد مختلفة، عنوانها الأوضح: الحرية أولًا، والإنسان قبل كل شيء.