موسم تسويق الأكاذيب !!

د.حسام ممدوح

قد يكون (90%) مما ينشر اليوم وينتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول الأحداث من حولنا غير حقيقياً، بل إنه جزءًا من عملية ترويج لأكاذيب ورؤى لا يمتلك أصحابها الحد الأدنى من المعرفة أو الخبرة الأكاديمية.

ويبدو أن مروجي الأكاذيب ومدعي معرفة الغيب وجدو في الحرب الأميركية على إيران موسمًا مميزًا لبيع أكاذيبهم، لاسيما وأن جو الحرب أحيط بهالة كبيرة من الضبابية وعدم الوضوح.

أضف على ذلك حالة الإنفتاح الإعلامي غير المسبوق وغير المنضبط، مما أدى لنشر الحسابات التي يدعي أصحابها معرفتهم بخلفيات ما يجري على مستوى منطقة الشرق الأوسط بحثًا عن رفع معدلات المشاهدات والمتابعة من متصفحي مواقع التواصل الاجتماعي الباحثين عن حقيقة ومآلات مشهد الحرب بين أميركا وإيران.

فهذه تتنبأ بمقتل رئيس عربي، وذلك يتوقع إنهيار تلك الدولة وآخر يرى في الحرب بداية نهاية العالم، دون أن يبحث أحد عن حقيقة تلك الشخصيات ومدى علميتها لتكون قادرة على الإحاطة بمشهد جعل الحليم حيران.

متنبئي مستقبل منطقة الشرق الأوسط لم يكونوا ليختلفوا عن السحرة والمشعوذين ومدعي معرفة الغيب السابقين، فالأسلوب ذات الأسلوب وإن اختلفت المسمّيات، فبدلاً من التنبؤ بمستقبل شخص باتت العملية اليوم تتعلق بالتنبؤ بمستقبل دولة أو شعب من الشعوب.

يطرح مروّج الأكاذيب ومدعي المعرفة على المشاهد مجموعة من المعلومات البديهية ليقنعه أنه عالم بخفايا الحالة التي أمامه، ليكون ذلك مدخلاً لإستدراجه وإقناعه بسعة معرفته، ومن ثمّ يسلّم المتابع للمتحدث ويبدأ بتلقي أخباره من هذا المنجّم أو ذاك إعتقادًا منه بمعرفته بالمستقبل وبما قد يحدث غدًا.

بل إن بعض الناس يبدأ بنقل كذب الساحر والمنجّم للدوائر المحيطة به عادًا إياها حقيقة ينبغي التسليم لها، كيف لا ومدعي الغيب هو الذي قالها.

ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل إن بعض الشخصيات التي لعبت هذا الدور -دور الساحر أو المتنبئ- وجدت طريقها لشاشات القنوات الفضائية العراقية والعربية، كيف لا وهو القادر على الإحاطة بما لم يحط به أحدًا من قبل.

سيناريوهات الرعب الكاذبة التي يتناقلها متصفحي وسائل التواصل الاجتماعي عن شخصيات لا يعرف لها تاريخ علمي وليست جزءًا من عملية إدارة المشهد القائم في منطقة الشرق الأوسط اليوم باتت جزءًا من عملية إثارة حالة الخوف على مستوى العالم أجمع لما تحمله من رسائل مجهولة المصدر والغاية كسيناريو نهاية العالم على سبيل المثال.

ثم وبعد عاصفة الخوف التي أثارتها التنبؤات تبيّن أن البروفسور الصيني ليس بروفسور وأن الخبيرة الفلانية تنتمي لجهاز مخابراتي لأحدى الدول ووظّفت في مرحلة من المراحل لإرسال رسائل خاصة وأن هذا العرّاف لم يكن يسوق إلاّ توقعات استقاها من مشاهداته للواقع من حوله وقد لا تختلف عن رؤية أي إنسان عادي.

وهنا ينبغي التوقف طويلاً أمام هذه الظاهرة التي استفحلت وباتت تنذر بوقوع الكوارث على مستوى المواطن والدولة، وكيف يمكن تجاوزها في ظل عملية الضخ الإعلامي الهائل والمخيف بما يربك المشاهد ويجعله دوماً في حالة انتظار للسيناريو الأسوأ؟

وعلينا في وقت الأزمات.. أن نحرص على متابعة المختص أو الخبير في شؤون السياسة الدولية لبناء تصورنا عما يجري واتخاذ قراراتنا وفقًا لرأي علمي حكيم لا رأي ساحر أو عرّاف.

قد يعجبك ايضا