إقليم كوردستان بين العاصفة الإقليمية وفرص إعادة التموضع

الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا

مع تصاعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، يدخل العراق مرحلة دقيقة تتشابك فيها التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية، بما يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الفاعل الحقيقي في الدولة: هل ما زالت الحكومة قادرة على ضبط المسار، أم أن موازين القوى باتت تميل لصالح الفواعل المسلحة خارج إطارها؟

تواجه حكومة محمد شياع السوداني ضغوطاً متزايدة في ظل تصاعد دور الفصائل الموالية لإيران، والتي تنظر إلى الصراع الحالي بوصفه امتداداً لمعركة وجود، خاصة بعد اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، علي خامنئي وكبار قادتها. وقد انعكس هذا التوجه في تصاعد استهداف المصالح الأمريكية داخل العراق، رغم أن الولايات المتحدة كانت الفاعل الرئيسي في إسقاط النظام السابق عام 2003 و بناء العراق الجديد، وهو ما أعاد تشكيل النظام السياسي القائم وأدخل الدولة في شبكة محاور إقليمية متشابكة. في المقابل، جاءت الضربات العسكرية الأمريكية المستمرة على مواقع الفصائل المسلحة، مع تزايد التحذيرات الصادرة عن السفارة الأمريكية في بغداد، لتشير إلى حجم المخاطر على المواطنين والمصالح الحيوية لواشنطن، بما في ذلك المنشآت الدبلوماسية وشركات الطاقة والمطارات، وتعكس قلق الولايات المتحدة على مصالحها الاستراتيجية في العراق، وأن استقرار العراق أصبح جزءاً من معادلة أمن إقليمية أوسع تشمل دول الخليج وبلدان المنطقة.

وفي مقابل هذا المسار، يبرز نموذج إقلیم کوردستان بوصفه تعبيراً عن مقاربة مختلفة لإدارة المخاطر. فقد استطاعت القيادة السياسية في كوردستان، عبر سياسة تتسم بالبراغماتية والواقعية، أن يحافظ الرئيس مسعود بارزاني على استقرار الإقليم ومكتسباته، من خلال موازنة دقيقة في العلاقات مع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مع تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية.

هذه السياسة التي تتماشى على خط ونهج حكمة الرئيس مسعود بارزاني، لا يمكن فهمها خارج إطار مقاربات العلاقات الدولية، وبالأخص ما تطرحه الواقعية السياسية من أن الفواعل السياسية—لا سيما الكيانات شبه المستقلة—تسعى إلى تعظيم أمنها عبر التحالف مع قوى كبرى.

كما أن تموضع إقليم کوردستان ضمن شبكة علاقات دولية فاعلة يعكس منطق توازن القوى، حيث يسعى إلى تعويض محدودية قدراته الذاتية عبر شراكات استراتيجية مع دول الخليج وعدد من بلدان المنطقة، الأمر الذي منحه وزناً سياسياً وأمنياً يفوق حجمه الجغرافي. وفي ظل التحولات الراهنة، قد تتيح هذه المقاربة للإقليم فرصاً لتعزيز مكانته كفاعل مستقر الی حد کبير في بيئة إقليمية مضطربة، سواء عبر استقطاب الدعم الدولي أو عبر لعب أدوار لوجستية وسياسية في مرحلة ما بعد الحرب. غير أن هذه الفرص تبقى مشروطة بقدرة الإقليم على الاستمرار في سياسة “إدارة التوازن”، إذ إن أي انزلاق نحو الانخراط المباشر في الصراع قد يضعه ضمن دائرة الاستهداف، ويقوض المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية. وفي الوقت ذاته، فإن استمرار التباين بين نهج الإقليم ونهج الفصائل المسلحة داخل العراق قد يفضي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين أربيل وبغداد، سواء باتجاه مزيد من التوتر أو نحو تفاهمات جديدة تفرضها موازين القوى. في المحصلة، لا يبدو أن مستقبل العراق سيتحدد فقط بنتائج الحرب الدائرة، بل بمدى قدرة مكوناته المختلفة على التكيف مع تحولات البيئة الإقليمية. وبين منطق الفصائل الذي يعكس اندماجاً في صراعات المحاور، ومنطق إقليم كوردستان القائم على البراغماتية والتحالفات، تبرز مفارقة أساسية: أن الاستقرار في لحظات الاضطراب لا يتحقق بالمواجهة، بل بحسن قراءة موازين القوى، وتوظيفها بما يخدم البقاء وتعظيم المكاسب، خاصة مع القدرة على بناء تحالفات إقليمية ودولية تؤمن مكانة الإقليم في شبكة التوازنات الإقليمية بعد الحرب.

قد يعجبك ايضا