عطا شمیراني
ليست الرايات مجرد ألوان ترفرف فوق سارية، ولا هي قطعة قماش تتحرك مع الريح. فالراية، في وجدان الشعوب، اختصارٌ لذاكرة طويلة، ولسنوات من الألم والأمل، ولحكايات لا يرويها التاريخ الرسمي وحده، بل تحفظها قلوب الناس جيلاً بعد جيل. ولهذا، فإن احترام الرايات ليس مجاملة بروتوكولية، بل احترامٌ للإنسان الذي يرى في علمه جزءًا من هويته وكرامته وتاريخه.
أثار رفع راية كوردستان إلى جانب العلم السوري في قصر الجمهورية بدمشق موجة واسعة من النقاش داخل العراق، ولم يقتصر الجدل على الأوساط السياسية، بل امتد إلى المثقفين والإعلاميين ومنصات التواصل الاجتماعي. وقد تنوعت المواقف بين من قرأ الحدث من زاوية بروتوكولية ودبلوماسية، ومن اعتبره رسالة سياسية تحمل دلالات أوسع. وفي خضم هذا الجدل، برزت تعليقات تجاوزت حدود النقد السياسي إلى الإساءة لراية كوردستان، وهو أمر يستحق التوقف عنده بهدوء ومسؤولية.
في الأنظمة الديمقراطية، تختلف القراءات السياسية، وتتعدد التفسيرات، وهذا أمر طبيعي وصحي. لكن ما ينبغي أن يبقى ثابتًا هو احترام الرموز التي تمثل مكونات المجتمع، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى إساءة تمس مشاعر ملايين المواطنين.
نحن في كوردستان ننظر إلى العلم العراقي باحترام، ليس لأنه مجرد راية رسمية للدولة، بل لأنه يمثل وطنًا يضم جميع العراقيين بكل قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم. ولهذا، لم يكن احترام العلم العراقي يومًا محل نقاش بالنسبة للكورد، رغم ما مرت به العلاقة بين بغداد وأربيل من أزمات وخلافات سياسية ودستورية. فالخلاف مع الحكومات لا يعني الإساءة إلى رمز الدولة، لأن الدول تبقى، بينما تتغير الحكومات والسياسات.
وبالمقابل، فإن راية كوردستان بالنسبة للكورد ليست شعارًا حزبيًا، ولا رمزًا سياسيًا عابرًا، بل هي عنوان لهوية وطنية وثقافية، وتاريخ طويل من النضال. إنها الراية التي رُفعت فوق جبال كوردستان في أصعب الظروف، وارتبطت في وجدان الشعب الكوردي بسنوات من التضحيات والآلام والآمال. ولهذا، فإن أي إساءة إليها لا تُفهم على أنها خلاف سياسي، بل تُستقبل باعتبارها إساءة إلى ذاكرة شعب وكرامته.
إن العراق ليس بلدًا أحادي الهوية، بل هو دولة متعددة القوميات والثقافات. وقد اعترف الدستور العراقي بهذا التنوع، وأقر بإقليم كوردستان ومؤسساته ورموزه ضمن الإطار الدستوري. ومن هنا، فإن احترام راية كوردستان لا يتعارض مع احترام العلم العراقي، بل ينسجم مع روح الدستور الذي قام على مبدأ الشراكة والتعددية.
ومن المؤسف أن يتحول كل حدث يتعلق بكوردستان إلى مناسبة لإطلاق خطاب الكراهية أو السخرية من الرموز الكوردية. فمثل هذا الخطاب لا يخدم أحدًا، ولا يعزز الوحدة الوطنية، بل يوسع فجوة الثقة بين مكونات البلاد. إن الأوطان لا تُبنى بإلغاء الآخر، وإنما بالاعتراف به واحترام خصوصيته.
لقد أثبتت التجارب في الدول المتعددة القوميات أن قوة الدولة لا تُقاس بفرض هوية واحدة على الجميع، وإنما بقدرتها على احتضان جميع الهويات تحت مظلة المواطنة. فالاحترام المتبادل ليس تنازلًا، بل هو أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي. وكلما شعر أي مكون بأن هويته ورموزه مصانة، ازداد تمسكه بالشراكة الوطنية.
ومن حق أي مواطن أن يناقش أبعاد رفع راية كوردستان، وأن يختلف مع دلالاتها السياسية أو توقيتها، فهذا جزء من حرية التعبير. لكن ليس من حق أحد أن يحول هذا الاختلاف إلى إساءة أو تجريح أو إنكار لرمزية علم يمثل ملايين الكورد. فالفرق كبير بين النقد السياسي، وبين المساس بالمشاعر الوطنية لشعب كامل.
لقد قدم الكورد، شأنهم شأن بقية العراقيين، تضحيات كبيرة من أجل استقرار العراق ومواجهة الإرهاب، وأسهموا في بناء الدولة بعد عام 2003. ولذلك، فإن العلاقة بين بغداد وأربيل ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على لغة الاستفزاز أو التقليل من شأن رموز أي طرف.
إن المرحلة التي يمر بها العراق والمنطقة تفرض خطابًا أكثر حكمة واتزانًا. فالمنطقة تواجه تحديات معقدة، ولا تحتاج إلى صراعات جديدة تغذيها خطابات الكراهية أو الاستقطاب القومي. وما يحتاجه العراقيون اليوم هو تعزيز ثقافة التعايش، وترسيخ قيم الاحترام، والابتعاد عن كل ما يعمق الانقسامات.
لقد علمنا التاريخ أن الأمم التي تحترم رموز بعضها البعض تكون أقدر على صناعة المستقبل، وأن الدول التي تتسع لجميع هوياتها هي الأكثر استقرارًا. أما حين تتحول الرايات إلى مادة للخصومة، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون علمًا أو راية، بل فكرة الوطن نفسها.
إن احترام العلم العراقي لا يتعارض مع احترام راية كوردستان، كما أن الاعتزاز براية كوردستان لا ينتقص من مكانة العلم العراقي. فالأوطان الكبيرة لا تخشى تعدد رموزها، بل تخشى ضيق الأفق الذي يحول الاختلاف إلى خصومة، والرمز إلى ساحة صراع.
وفي النهاية، إذا كان العراق يريد أن يكون وطنًا لجميع أبنائه، فإن الطريق إلى ذلك لا يبدأ من الاتفاق على السياسة، بل من الاتفاق على قيمة أسمى: أن كرامة أي شعب تبدأ من احترام رموزه، وأن احترام الرايات ليس شأنًا بروتوكوليًا فحسب، بل امتحانًا لأخلاق الدولة، ونضج المجتمع، وصدق الإيمان بالشراكة الوطنية.