حرب الظل والدم: من يربح حين تتصارع القوى الكبرى على جسد الشرق الأوسط؟

ماهين شيخاني

صراع بلا إعلان… ونتائج ترسم في الخفاء
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس حرباً تقليدية تُحسم بانتصار طرف وهزيمة آخر، بل هو صراع مركّب، تُدار فصوله في الظل، وتُرسم نتائجه على مهل.
ضربات جوية، عمليات استخباراتية، رسائل ردع متبادلة، ومفاوضات تجري خلف الأبواب المغلقة…
مشهد معقد لا يكفي لفهمه سؤال: من الأقوى؟
بل يحتاج إلى سؤال أدق: ماذا يريد كل طرف فعلاً؟
أولاً: اختلاف الأهداف… سرّ استمرار الحرب
لفهم هذا الصراع، لا بد من تفكيك أهداف الأطراف الرئيسية:
الولايات المتحدة: لا تريد إسقاط النظام… بل ترويضه
الهدف الأمريكي ليس إسقاط النظام الإيراني، بل:
تقليص نفوذه الإقليمي
ضبط برنامجه النووي
فرض قواعد اشتباك جديدة في المنطقة
واشنطن لا تبحث عن “نصر نهائي”، بل عن اتفاق بشروط أقسى يُجبر طهران على تغيير سلوكها.
إسرائيل: لا تثق إلا بإيران ضعيفة أو منهارة
في المقابل، ترى إسرائيل أن:
أي بقاء قوي لإيران = تهديد وجودي
أي اتفاق لا يُضعف طهران جذرياً = تأجيل للخطر
لذلك، تميل إلى خيار أكثر حدة:
إضعاف عميق… وربما إسقاط إن أمكن
لكن المشكلة:
إسقاط نظام بهذا الحجم يتطلب حرباً برية واسعة…
وهو الخيار الذي لا تريده واشنطن.
إيران: الصمود… وليس الانتصار
أما إيران، فهي لا تبحث عن انتصار تقليدي، بل عن:
البقاء
الحفاظ على النظام
إثبات القدرة على الرد
وتدرك أن مجرد الصمود أمام الضغوط يُعد في حد ذاته مكسباً استراتيجياً.
ثانياً: لماذا لا يحدث الحسم؟
رغم كل التصعيد، لا حرب شاملة… ولا اتفاق نهائي.
السبب بسيط ومعقد في آن واحد:
أمريكا لا تريد حرباً برية مكلفة
إسرائيل لا تستطيع خوضها وحدها
إيران لا تستطيع فرض ردع كامل
النتيجة:
حرب مُدارة… لا تُحسم، بل تُطوَّل
ثالثاً: بين القصف والتفاوض… لعبة مزدوجة
في خلفية هذا التصعيد، لا تتوقف المفاوضات.
قنوات غير معلنة
رسائل عبر وسطاء
تفاوض تحت النار
لكن كل طرف يحاول:
تحقيق مكاسب ميدانية قبل الجلوس إلى الطاولة
أو تحسين شروطه التفاوضية
وهنا تظهر مفارقة لافتة:
طهران تريد حفظ ماء الوجه
واشنطن تستخدم الإعلام كأداة ضغط
وأحياناً تتحول التصريحات إلى جزء من المعركة نفسها
رابعاً: هل الحسم ضروري… أم مستحيل؟
يُطرح سؤال مهم:
هل يمكن أن تستمر هذه الحرب إلى ما لا نهاية؟
الجواب:
نعم… إلى حد كبير
لأن:
التكلفة على أمريكا ليست بحجم حرب شاملة
الضغوط على إيران مؤلمة لكنها غير قاتلة
المنطقة اعتادت نمط “اللا حسم”
لذلك، ما نشهده ليس طريقاً نحو نهاية،
بل نموذجاً جديداً للصراع طويل الأمد.
خامساً: السيناريوهات الواقعية
1. استمرار حرب الاستنزاف (الأرجح)
ضربات متقطعة
مفاوضات غير مباشرة
لا حسم… ولا انهيار
2. تصعيد واسع غير محسوب
نتيجة خطأ أو ضربة كبيرة
قد يفتح باب مواجهة أخطر
3. اتفاق مؤقت
يخفف التصعيد
لكنه لا ينهي الصراع
سادساً: الكورد… بين الخطر والفرصة
في قلب هذا المشهد، يقف الكورد، خاصة في العراق وإيران، أمام معادلة دقيقة:
المخاطر:
التحول إلى ساحة صراع
ضربات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة
ضغوط من أطراف متعددة
الفرص:
تعزيز موقعهم السياسي
لعب دور توازن في المنطقة
تحقيق مكاسب ضمن التحولات الكبرى
لكن الحقيقة الأهم:
لا توجد فرصة مجانية في الشرق الأوسط… كل مكسب له ثمن.
خاتمة: من يربح؟
الإجابة الصريحة:
لا أحد يربح بالكامل
ولا أحد يُهزم بالكامل
أمريكا تضغط… لكنها لا تحسم
إسرائيل تضرب… لكنها لا تنهي
إيران تصمد… لكنها تنزف
أما المنطقة…
فهي ساحة مفتوحة لصراع طويل، لا يُقاس فيه النصر بعدد الضربات،بل بمن يملك القدرة على البقاء… وإعادة التموضع.
الخلاصة :
هذه ليست حرباً تُخاض لإنهاء الخصوم،
بل لإعادة تشكيلهم.
وليست معركة لحسم سريع، بل اختبار طويل للإرادة والنَّفَس.
وفي الشرق الأوسط…
من لا يُهزم… يُعتبر منتصراً. * ماهين شيخاني.

قد يعجبك ايضا