أبجدية الجبل.. حين يكتبُ الدمُ ما يمحوهُ البارود

أحمد زبير باني

لم يكن الصباح في كوردستان مختلفًا عن غيره في ظاهره، لكن الأرض التي حفظت أسماء الشهداء منذ قرون، كانت تستعد لتدوين ستة أسماء جديدة في سجلها الثقيل. لم يكن القصف الذي استهدف موقعًا للبيشمركة مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، بل كان لحظة فاصلة بين الحياة التي كانوا يحمونها والموت الذي باغتهم دون إنذار؛ قصفٌ غادر وغير مبرر، كأنه أراد أن يختبر صبر الجبال وصلابة الإنسان الكوردي في آنٍ واحد.

البيشمركة ليسوا مجرد مقاتلين؛ إنهم حراس الذاكرة، وسدنة الحلم الذي لم يخفت رغم كل ما مرّ به هذا الشعب. حين سقط ستة منهم شهداء، لم يسقطوا كأرقام تُضاف إلى قائمة، بل كحكايات كاملة انقطعت فجأة؛ كأمهاتٍ ينتظرن عودة لن تأتي، وكأطفالٍ سيكبرون وهم يتعلمون أن الوطن قد يُصان أحيانًا بثمنٍ لا يُحتمل.

ذلك القصف لم يستهدف موقعًا عسكريًا فحسب، بل استهدف فكرة؛ فكرة أن كوردستان يمكن أن تعيش بسلام، وأن رجالها الذين حملوا السلاح دفاعًا عن أرضهم يستحقون أن يحلموا بحياة طبيعية. لكنه، وعلى نحوٍ مفارق، أعاد إحياء فكرةٍ أخرى أكثر رسوخًا: أن هذا النهج، نهج الشهداء، لا يُقصف ولا يُكسر.

في لحظة الانفجار، قد يتوقف الزمن، لكن في ذاكرة الشعوب يبدأ زمن آخر؛ زمنٌ تُعاد فيه صياغة المعنى، حيث يصبح الدم رسالة، ويصبح الفقد قوة. لم يكن استشهادهم نهاية، بل امتدادًا لسلسلة طويلة من التضحيات التي صنعت هوية كوردستان؛ هوية لا تقوم على الألم فقط، بل على الإصرار العميق بأن البقاء ليس خيارًا بل قدر.

قد يسأل العالم عن جدوى كل هذا، وعن سبب استمرار هذا النزيف، لكن الإجابة ليست في السياسة وحدها، بل في تلك العلاقة الغامضة بين الإنسان وأرضه. حين تُقصف الأرض، ينهض الإنسان أكثر التصاقًا بها، وحين يُستهدف الحلم، يصبح أكثر وضوحًا.

ستة شهداء… رقم صغير في حسابات الحروب، لكنه في قلب كوردستان كونٌ كامل. كل واحد منهم كان يحمل جزءًا من الحكاية، ومع رحيلهم لم تضِع الحكاية، بل كُتبت بمدادٍ أعمق؛ لأن كوردستان، كما يقول أبناؤها، لا تُقاس بعدد الخسائر، بل بقدرتها على النهوض بعدها.

سيبقى نهج الشهداء، ليس كشعارٍ يُردد، بل كحقيقةٍ تُعاش. ستبقى كوردستان، لا لأن أحدًا وعد بذلك، بل لأن الذين سقطوا آمنوا بها حتى اللحظة الأخيرة. وفي كل مرة تُستهدف فيها، تثبت أنها ليست مجرد أرض، بل فكرة لا تموت.

فكوردستان، التي تعلّمت من جراحها كيف تقف، لا تنحني أمام الألم بقدر ما تعيد تشكيله ليصبح قوة تدفعها إلى الأمام. لم تكن هذه المرة الأولى التي يُسفك فيها دم البيشمركة، وربما لن تكون الأخيرة، لكن ما يتغير دائمًا هو أن كل قطرة دم تُضيف معنى جديدًا للصمود، وتُعمّق الإيمان بأن الطريق، مهما كان قاسيًا، يستحق أن يُسلك حتى نهايته.

إن الذين رحلوا في ذلك القصف لم يتركوا فراغًا فقط، بل تركوا وصية غير مكتوبة؛ أن تبقى الأرض مصانة، وأن يبقى الحلم حيًا، وألا يتحول الحزن إلى استسلام. فالحزن في كوردستان لا يُقاس بالدموع، بل بما يخلّفه من إرادة، وما يزرعه من إصرار في قلوب من بقوا.

ربما تُهدم المواقع، وربما تُحرق الخيام، لكن ما لا يمكن قصفه هو تلك القناعة الراسخة في وجدان الناس: أن الكرامة لا تُجزّأ، وأن الأرض التي رُويت بالدم لا تُترك. ولهذا، فإن كل محاولة لكسر هذه الإرادة، لا تزيدها إلا صلابة، ولا تجعلها إلا أكثر وضوحًا في عيون أبنائها.

ستبقى أسماء الشهداء الستة محفورة، لا في ذاكرة عائلاتهم فقط، بل في وجدان شعب كامل يرى فيهم مرآة لقصته الطويلة؛ قصة شعب لم يختر المعاناة، لكنه اختار ألا ينهزم أمامها.

وهكذا، لا ينتهي المقال عند استشهادهم، بل يبدأ من هناك. لأن الحكاية الحقيقية ليست في لحظة الرحيل، بل فيما بعدها؛ في كيف تُروى، وكيف تُحمل، وكيف تتحول إلى قوة تحفظ ما تبقى وتبني ما هو آتٍ… جيلاً بعد جيل.

هنا، تتحول التضحية من حدثٍ عابر إلى إرث، ومن خسارةٍ موجعة إلى معنى يتوارثه الأبناء كما تُورّث الأرض. فالشهداء لا يرحلون بالكامل، بل يتركون أجزاءً منهم في كل زاوية من الوطن؛ في الطرقات التي مرّوا بها، في الجبال التي احتموا بها، وفي القلوب التي ستبقى تذكرهم كلما اشتد الظلام.

ولأن كوردستان اعتادت أن تنهض من تحت الركام، فإن هذا الألم لن يكون نهاية الحكاية، بل فصلًا جديدًا فيها؛ فصلٌ تُكتب سطوره بإرادة من بقوا، وبإيمانهم أن الدم الذي سُفك لم يكن عبثًا، بل كان ثمنًا لبقاء ما لا يُشترى.

قد تمر الأيام، وقد تتغير الظروف، لكن ما لا يتغير هو تلك الحقيقة الراسخة: أن الشعوب التي تُجيد تحويل جراحها إلى قوة، لا تُهزم. وكوردستان، التي دفعت الكثير لتبقى، تعرف جيدًا كيف تحوّل الفقد إلى دافع، والحزن إلى تصميم، والذاكرة إلى مستقبل.

في النهاية، لا تكون الخاتمة وداعًا، بل عهدًا؛ عهدًا بأن تبقى هذه الأرض كما أرادها أبناؤها الذين رحلوا: مرفوعة الرأس، عصيّة على الانكسار، نابضة بالحياة رغم كل شيء.
وهكذا، تستمر الحكاية… لا بصوت القصف، بل بصوت الذين ما زالوا يؤمنون أن كوردستان باقية إلى الأبد.

قد يعجبك ايضا