د. سمر رحم نعيمة
تُعدّ العتبات المقدسة من أبرز المعالم الدينية التي تمتلك حضورًا واسعًا في حياة المجتمعات الإسلامية، إذ تمثل مراكز روحية وثقافية واقتصادية ذات تأثير عميق في الأفراد والدول. ولا يقتصر دور هذه العتبات على الجانب التعبدي، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية وتنموية تسهم بشكل فعال في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز مسارات التنمية.
إنّ العتبات المقدسة تستقطب ملايين الزائرين سنويًا من داخل الدولة وخارجها، الأمر الذي يجعلها عنصرًا مهمًا في تنشيط قطاع السياحة الدينية، وهو من القطاعات الحيوية التي تعتمد عليها الدول في تنويع مصادر دخلها. ويؤدي هذا التدفق البشري إلى زيادة الطلب على الخدمات المختلفة، مثل الفنادق، والمطاعم، ووسائل النقل، والأسواق التجارية، مما ينعكس بشكل مباشر على الحركة الاقتصادية.
كما تسهم العتبات المقدسة في خلق فرص عمل متنوعة، حيث تعتمد منظومة الزيارة على عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية والخدمية. وتشمل هذه الأنشطة العمل في الفنادق والمطاعم والأسواق، إضافة إلى الوظائف الإدارية والخدمية داخل العتبات نفسها. وهذا التنوع يسهم في تقليل معدلات البطالة وتحسين مستوى دخل الأفراد.
وتُعدّ المناطق المحيطة بالعتبات مراكز اقتصادية نشطة، حيث تنتشر الأسواق والمحلات التجارية التي توفر مختلف السلع والخدمات للزائرين. ويسهم هذا النشاط في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويعزز من الإنتاج المحلي، مما يؤدي إلى تحريك عجلة الاقتصاد وزيادة الدخل الوطني.
إلى جانب ذلك، تلعب العتبات المقدسة دورًا مهمًا في جذب الاستثمارات، سواء المحلية أو الأجنبية، إذ تشهد المدن الدينية مشاريع تطويرية في مجالات البنية التحتية، مثل الطرق والمطارات والفنادق والمجمعات التجارية. وهذا الاستثمار يسهم في تحسين البيئة الاقتصادية ورفع مستوى الخدمات المقدمة.
كما أن العتبات المقدسة تساهم في تعزيز الإيرادات الحكومية من خلال الرسوم والخدمات المرتبطة بالزيارة، إضافة إلى الضرائب التي تُفرض على الأنشطة الاقتصادية المختلفة. وتُعدّ هذه الإيرادات مصدرًا مهمًا لدعم الموازنة العامة للدولة.
ولا يمكن إغفال الدور الاجتماعي الذي تؤديه العتبات المقدسة، إذ تسهم في دعم الفئات الفقيرة من خلال الأعمال الخيرية والتبرعات، فضلًا عن توفير الخدمات الصحية والتعليمية في بعض الأحيان. وهذا البعد الاجتماعي يعزز من الاستقرار المجتمعي ويُسهم بشكل غير مباشر في التنمية الاقتصادية.
كما أن العتبات المقدسة تعزز من الهوية الثقافية والدينية للمجتمع، وتعمل على نقل التراث والقيم عبر الأجيال، مما يسهم في بناء مجتمع متماسك قادر على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وتتجلى أهمية العتبات أيضًا في دعم الصناعات المرتبطة بالسياحة، مثل الصناعات الحرفية والتقليدية، التي تنتج الهدايا التذكارية والمنتجات المحلية. وهذا النوع من الصناعات يوفر فرص عمل إضافية ويسهم في الحفاظ على التراث الثقافي.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن العتبات المقدسة تمثل ركيزة أساسية في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال دورها في تنشيط السياحة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الاستثمار، ودعم الإنتاج المحلي. وبالتالي، فإن الاهتمام بتطوير هذه العتبات وتحسين الخدمات المقدمة فيها يُعدّ خطوة ضرورية لتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة.