التأسيس للفوضى في العراق

د. حسام ممدوح

الفوضى هي الحالة المقابلة للا نظام، وقد يتسم نمط حياة أحدنا بالفوضى فلا سياق ولا نظام يضبط حياته بالتالي تتداخل المواعيد والأعمال والنتيجة قد يكون عمل بلا ثمرة وحركة وجهد دون هدف.

وقد تكون بعض المؤسسات مثال على حالة الفوضى، بل قد يصل الأمر إلى الدولة بكليّتها بسبب غياب النظام والسياق القانوني والإداري الحاكم لمسارها.

لكن الإشكال في بعض الأنظمة أنها تؤسّس لحالة الفوضى من حيث تعلم ولا تعلم، فتضارب القوانين والسياقات بل وغيابهما عن إدارة كثير من الملفات المرتبطة بالدولة نفسها قد يجعل مواطنيها جزءاً من هذه الحالة ويجبرهم على التعامل معها ليكونوا بالنتيجة جزءاً منها ولتنتقل بالتالي لنمط حياتهم الخاص فتتسم حياة ذلك الشعب بالفوضى.

وبمراجعة الأداء المؤسسي لهذه الدول سنكتشف أننا أمام فجوة كبيرة بين ما يعلن وبين الواقع، وكأنك أمام مجموعة من الصور بمظاهر مختلفة بلا جوهر حقيقي، وهذا الواقع للأسف يؤطّر له يوماً بعد آخر حتى بات المواطن يتعايش معه بل ويحاول التأقلم معه بما يجعله جزءاً من هذه المنظومة.

ولك أن تراجع قارئي العزيز ما يجري من حولك، الطريق الذي يشيّد ويصار لتنظيم مهرجان جماهيري لإفتتاحه بحضور رسمي في أعلى المستويات، ثم بعد أيام يغلق لأغراض الصيانة.

وهلم جرا..

المؤسسات التي تتعامل وفق منطق (اللا سياق)، كالمؤسسات التعليمية والتربوية التي من المفترض أن تكون المكان الذي تتعلم منه الأجيال الناشئة ثقافة النظام إلاّ أنها باتت تعيش حالة من الفوضى غير الخلاقة، فلا جدول زمني لمواعيد بدء ونهاية العام الدراسي ولا مواعد عطل رسمية قطعية، ولذا نجد الطالب يعيش حالة الترقب اليومي في انتظار العطلة في أي وقت.

واللطيف أن بعض العطل أعلن عنها بعد الساعة الثانية عشر ليلاً، ليجد الطالب الذي نام مبكراً نفسه أمام باب مدرسته المغلق بسبب العطلة دون علمه، فيما يبدأ العام الدراسي في كل مرة والمنهج الدراسي غير مكتمل ليلتحق الطالب في صفه الدراسي دون امتلاكه للكتب المنهجية المطلوب منه الدراسة عليها.

وكذا حال التعليم العالي..

الذي باتت تتقاذفه الأنظمة التعليمية والبرامج الدراسية المستوردة من هذا البلد أو ذاك، واللطيف أن لكل وزير يرأس هذه الوزارة رؤيته الخاصة التي يحاول تطبيقها أو إسقاطها منظومة التعليم، ثم ما تلبث أن تتوقف أو تتبدل هذه الرؤية ما إن تتغير بتغيّر الوزير.

وهكذا يعيش التعليم العالي والطالب الملتحق بمؤسساته كحقل تجارب لهذا النظام وذاك.. بلا رؤية أو هدف حقيقي.

الوزارات الأخرى والمؤسسات التابعة لها ليست بأفضل حالاً بكل تأكيد، فتضارب القوانين والقرارات جزء من المشهد في كلٍ منها، ولك أن تتخيل أن بعض أعضاء مجلس النواب تم تغييرهم في السنة الأخيرة من عمر مجلس النواب بعد أن طُعن في ترشيحه، أما مجالس المحافظات فتشهد تغيراً قد يصل لثلث أعضائها خلال مدة ولايتها التي لا تتجاوز الأربع سنوات.

حالة الفوضى في إدارة الدولة ستنعكس بكل تأكيد على المواطن والشارع، فغياب مؤسسات الدولة وضعف أدائها يفسح الطريق أمام الكيانات الأخرى لأن تملأ الفراغ، فنجد العشائر وقوانينها والتي باتت وسيلة تسوية الخلافات بين المواطنين بدلاً من قانون الدولة، وتزايدت أهمية العشيرة ودورها في إدارة حياة الناس حتى باتت السياق المتبع في القضايا كافة على اختلاف أهميتها وخطورتها بما فيها جرائم القتل.

وهنا سيكون لقوة عشيرة أو قبلية المواطن أثرها في إدارة تفاصيل حياته وسيكون أكثر إنتماءً لها بدلاً من أن يكون انتماءه للدولة وقانونها ومؤسساتها.

وفي العموم هذا السياق الفوضوي الحاكم لمنطق الدولة سيكون له انعكاساته الكبيرة على طبيعة حياة الشعب الذي سيجد نفسه جزءاً من حالة الفوضى العامة ومجبوراً على التعاطي معها ووفق سياقاتها لتنعكس على حياته الخاصة، فكيف يصار للتعامل بالنظام والقانون مع سياق لا يعترف به..؟

قد يعجبك ايضا