نبيل عبد الأمير الربيعي
الكتابة ليست ترفاً أدبياً يُمارَس في أوقات الفراغ، ولا زينة لغوية تُعلّق على جدران الكلمات؛ إنها حاجة داخلية مُلحّة، أشبه بنداءٍ خفيّ لا يهدأ، يخرج من عمقٍ لا نراه لكننا نشعر بثقله في كل لحظة صمت. الكتابة، في جوهرها، ليست موهبة بقدر ما هي فعلٌ نفسي، ضرورة تشبه التنفّس حين يضيق الصدر، أو البكاء حين تعجز الدموع عن السقوط.
هي محاولة مستمرة للتخفف من جرحٍ داخلي دفين، جرح لا يلتئم لأنه لا يُرى، لا يُفهم إلا حين يُكتب. كل نصّ هو محاولة لقول ما لم يُقل، لترميم ما تكسّر في الداخل، أو على الأقل… للاعتراف به. فالكاتب لا يكتب لأنه يعرف، بل لأنه يبحث؛ لا يكتب لأنه مكتمل، بل لأنه في حالة نقصٍ دائم، يسعى لسدّ فراغٍ يتّسع كلما تجاهله.
في هذه الرحلة، لا يلتزم الكاتب بنوعٍ واحد، لأن الوجع نفسه لا يعرف القوالب. يتنقّل بين الرواية والشعر وأدب الرحلات كما يتنقّل بين حالاته الداخلية؛ فالرواية تمنحه مساحة ليحكي ما لا يُقال مباشرة، ليُسقط ذاته على شخصياتٍ أخرى تعيش عنه ما لا يستطيع عيشه. الشعر، حين تضيق اللغة، يأتي كاختزالٍ مكثف، كصرخةٍ مُصفّاة من الزوائد، يقول فيها القليل ليحمل الكثير. أما أدب الرحلات، فهو ليس انتقالاً جغرافياً بقدر ما هو محاولة للهروب من الذات… أو العودة إليها من طريقٍ أطول.
الكتابة العابرة للنوع ليست ترفاً تجريبياً، بل استجابة طبيعية لفوضى الداخل. حين تتشظى التجربة، تتشظى معها اللغة، ليصبح التنقل بين الأشكال ضرورة لا خياراً. فكيف يمكن لحكايةٍ واحدة أن تُحاصر شكلاً واحداً، هي نفسها متعددة، متناقضة، مليئة بالتحوّلات؟
أما العلاقة بين الكاتب وذاته، فهي علاقة معقّدة، متوترة أحياناً، حنونة أحياناً أخرى. الكاتب يكتب ليقترب من نفسه، لكنه في الوقت ذاته يكتشف كم هو بعيد عنها. يكتب ليُعرّيها، لكنه يخشى مواجهتها كاملة. لذلك تأتي الكتابة كمساحةٍ آمنة وخطرة في آنٍ واحد؛ آمنة لأنها تمنحه القدرة على القول، خطرة لأنها تُجبره على الصدق.
الكتابة، في هذا السياق، ليس مجرد سرد، بل طريق للنجاة. كل قصة تُروى هي محاولة للعبور، من ألمٍ إلى فهم، من فوضى إلى معنى. نحن لا نكتب لنستعيد الماضي، بل لنُعيد ترتيبه، لنمنحه شكلاً يُحتمل. الكتابة لا تغيّر ما حدث، لكنها تغيّرنا نحن تجاه ما حدث.
هنا يصبح الوجع ليس عائقاً، بل مصدراً للإبداع. ليس لأن الألم جميل، بل لأنه صادق. لأن ما يُكتب من عمق المعاناة يحمل حرارةً لا يمكن تزويرها. الوجع يفتح في الروح نوافذ لم تكن موجودة، يجعل الكاتب يرى ما لا يُرى، يشعر بما يتجاوز السطح. لكنه في الوقت ذاته، سلاحٌ ذو حدّين؛ إن لم يُروَّض بالوعي، قد يتحول إلى استنزافٍ لا نهاية له.
لهذا، فالكتابة ليست خلاصاً كاملاً، بل محاولة مستمرة للخلاص. هي فعل مقاومةٍ ضد الانطفاء، ضد الصمت الذي يبتلع المعنى. نكتب لنفهم، لننجو، لنبقى… أو على الأقل، لنؤجل السقوط.
في النهاية، قد لا تُشفي الكتابة جراحنا تماماً، لكنها تمنحها صوتاً. هذا، في عالمٍ يضجّ بالصمت، شكلٌ من أشكال النجاة.