سردار علي سنجاري
تُعد قوات البيشمركة أحد أهم المرتكزات التاريخية والسياسية في مسيرة الشعب الكوردي ، إذ تمثل تجسيدًا عمليًا للنضال القومي من أجل الاعتراف بالحقوق السياسية. وقد ارتبطت هذه القوات منذ نشأتها بسياق معقد من الصراعات الإقليمية والتفاعلات الحزبية الداخلية والضغوط الدولية مما منحها أبعادًا تتجاوز وظيفتها العسكرية لتغدو رمزًا للهوية الكوردية .
تشكل البيشمه ركه ظاهرة مركبة تجمع بين البعد العسكري والرمزي والسياسي والإنساني للشعب الكوردي . وقد لعبت دورًا حاسمًا في تاريخ الشعب الكوردي الحديث. ورغم الانقسامات الداخلية بين الاحزاب الكوردية إلا ان البيشمه ركه بقت العامل الرئيسي في توحيد الكلمة الكوردية وذلك لرمزية هذه القوة التي قدمت التضحيات ليس للشعب الكوردي في العراق وحده انما للشعب العراقي ايضا حيث لعبت تلك القوة دورا هاما في محاربة داعش وبالأخص في سهل نينوى وقدمت الالاف من الشهداء للحفاظ على وحدة العراق وشعبه . وكذلك عندما تطلب الأمر إرسال قوات البيشمه ركه لتحرير مدينة كوباني من داعش فإنها لم تترد في تلبية النداء وساهمت مع القوات الكوردية الأخرى في تحرير المدينة .
يرتبط نشوء البيشمه ركه ببدايات الحركة القومية الكوردية في أوائل القرن العشرين إلا أن التبلور الفعلي لها جاء مع نضال الخالد الملا مصطفى بارزاني الذي أسس لمرحلة جديدة من الكفاح المسلح المنظم وكانت البيشمه ركه العمود الرئيسي لذلك الكفاح .. وقد مرت قوات البيشمه ركه بمراحل هامة من تاريخ الشعب الكوردي بدات في مرحلة تأسيسها في بدايات القرن العشرين وتميزت بانتفاضات عشائرية وقومية متفرقة . وفي الستينيات من القرن الماضي قامت ثورة ايلول المجيدة بقيادة الزعيم الخالد الملا مصطفى بارزاني والتي استمرّت حتى سنة ١٩٧٥ والتي قدمت فيها قوات البيشمه ركة واحدة من أروع صور التضحيات واكتسبت سمعة دولية مكنتها من تحقيق إنجازات هامة على الصعيدين العسكري والسياسي واستمر نضال البيشمه ركه في كوردستان العراق رغم انتكاسة ثورة ايلول حتى سنة 1991 حيث أصبحت البيشمه ركه قوة شبه نظامية بعد انتفاضة الشعب الكوردي ضد النظام البعث الصدامي . وتحولت في عام 2003 إلى قوة رسمية ضمن هيكل اقليم كوردستان والعراق الفيدرالي .
وتمثل البيشمه ركه رمزاً مركزياً في الهوية الوطنية الكوردية والانتماء اليها ويعد من أسمى مراتب الشرف عند الشعب الكوردي وعندما سؤل الرئيس مسعود البارزاني عن اهم الألقاب المقربة له بصفته زعيما وقائدا ورئيسا قال اعتز بصفة البيشمه ركه واعتبرها احب الألقاب لي ويوكّد دوما في مواقف تاريخيّة إلى كبار الشخصيات الدولية إنّ انتمائه لقوات البيشمه ركه للدفاع عن حقوق الشعب الكوردي أولوية ويفخر بكونه فردًا من هذه القوات التي وصفها بالمقدس في حماية كوردستان والتضحية من اجلها.
واليوم ونحن نودع كوكبة من شهداء البيشمه ركه الأبطال الذين راحوا ضحية الحرب القائمة بين امريكا واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى تلك الحرب التي طالما اعلن اقليم كوردستان بانه ليس طرفا فيها ودعى إلى ايقافها واللجوء إلى الحلول السلمية في معالجة كافة القضايا المتعلقة بين الأطراف المتصارعة إلا ان توجيه الهجمات المتكررة سواء من قبل ايران بشكل مباشر او من خلال اذرعها في الداخل العراقي المتمثلة بالحشد الشعبي والفصائل الخارجة عن القانون كما تصفها حكومة بغداد تلك الهجمات الغير مبررة والتي قد تسبب أزمة حقيقية داخلية في العراق الذي هو بالأساس يعاني من انقسامات سياسية وطائفية وبين حكومة اقليم كوردستان التي لن تتغاضي عن أي خروقات تمس الاستقرار الداخلي للاقليم وأمن مواطنيها وقواتها الأمنية والعسكرية المتمثلة بالبيشمه ركة . وحكومة الاقليم بالتأكيد لديها الكثير من الأوراق التي يمكن ان تشكل مصدر قلق لتلك القوات التي تستهدفها والتاريخ البعيد والقريب يبعث برسائل واضحة الى كل من يحاول المساس بإنجازات الشعب الكوردي .
الحزب الديموقراطي الكوردستاني الذي استنكر تلك الجريمة البشعة سواء من قبل الزعيم مسعود البارزاني او من خلال رئاسة الاقليم والمكتب السياسي للحزب والذي ينظر إلى البيشمه ركة على انها تمثل العمود الفقري لنضال الكورد وركيزة أساسية لحماية اقليم كوردستان والمساس بها يعتبر من المحرمات التي لا يمكن السكوت عنها ولابد من معالجة تلك الخروقات بما يضمن عدم تكرارها . وطالما كانت البيشمه ركه جزءا من البنية السياسية والعسكرية للحزب الديموقراطي الكوردستاني حيث الارتباط التاريخي والتنظيمي لتلك القوة مع الحزب يعد اهم ارتباط بين قوةً سياسية وحزبية عبر التاريخ الحديث في الشرق الاوسط فان الحزب الديموقراطي الكوردستاني سوف ينظر بجدية لضمان حماية قوات البيشمه ركه ومواطني كوردستان .