سالي علي
في السياسة الدولية، ليست كل المنصات متساوية. بعض الاجتماعات تُنتج صورًا تذكارية، وأخرى تُعيد ترتيب خرائط النفوذ. مؤتمر Munich Security Conference ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية؛ فهو مساحة تُختبر فيها الشرعيات غير المعلنة، وتُقاس فيها أوزان الفاعلين الحقيقيين في ميزان الأمن العالمي.
من هذا المنظور، فإن حضور شخصيات كوردية وازنة، وفي مقدمتهم Mazloum Abdi، إلى جانب تمثيل Rojava ووجود Kurdistan Region، لا يمكن قراءته كمشهد بروتوكولي عابر. ما حدث يُفهم كإعادة تموضع للقضية الكوردية داخل خرائط القرار الدولي، وانتقال من هامش النقاش إلى صلب الحسابات الاستراتيجية.
من قوة ميدانية إلى رقم استراتيجي
لسنوات، جرى التعامل مع الكورد في سوريا بوصفهم قوة محلية وظيفية في سياق الحرب على الإرهاب. اليوم، مجرد الجلوس على طاولة ميونخ يعني أن الملف الكوردي تجاوز الإطار الأمني الضيق، ليصبح عنصرًا مؤثرًا في معادلات الاستقرار الإقليمي. حين تُناقش ملفات سوريا وتركيا وإيران وأمن الحدود، ويكون للكورد حضور مباشر، فهذا اعتراف ضمني بأن أي صيغة قادمة للمنطقة لن تُبنى من دونهم.
روج آفا بين الشرعية الواقعية والاعتراف المؤجل
الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا لم تنشأ في فراغ؛ بل فرضت نفسها عبر مؤسسات قائمة، منظومة أمنية، وإدارة مدنية مستمرة رغم التعقيدات. التحدي لم يكن يومًا في السيطرة على الأرض، بل في تثبيت الاعتراف السياسي. الحضور في ميونخ لا يمنح شرعية قانونية نهائية، لكنه يفتح نافذة لتحويل الشرعية الواقعية إلى مسار تفاوضي قد يُفضي إلى لامركزية موسّعة، أو حتى صيغة فدرالية عملية — وإن لم يُستخدم المصطلح صراحة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المعطيات الراهنة تشير إلى ثلاث مسارات محتملة:
1- تثبيت لامركزية دستورية واضحة ضمن دولة سورية معاد هيكلتها.
2- صيغة فدرالية واقعية بحكم الأمر الواقع، حتى لو تجنّبت الأطراف تسميتها رسميًا.
3- إعادة احتواء تدريجية إذا تبدّلت التوازنات الدولية والإقليمية.
النقطة الفاصلة لن تكون عسكرية، بل سياسية: هل يُنظر إلى الكورد كشريك طويل الأمد في الاستقرار، أم كورقة ظرفية في لعبة التوازنات؟
التحول الأعمق
أهم ما في المشهد ليس المؤتمر بحد ذاته، بل ما سبقه وراكمه الواقع:
•كيان إداري قائم.
•قوة عسكرية منظمة.
•شبكة علاقات دولية.
•حضور سياسي مزدوج في سوريا والعراق.
للمرة الأولى منذ عقود، يظهر الامتداد الكوردي كحقيقة جيوسياسية عابرة للحدود، حتى وإن لم يكن موحّدًا بالكامل. وهذا بحد ذاته تحوّل نوعي في بنية المعادلة الإقليمية.
المعادلة الراهنة
ميونخ لا يمنح انتصارًا نهائيًا، لكنه يكشف أن القضية الكوردية خرجت من خانة (الملف المؤجل) إلى مساحة إعادة التعريف. السؤال لم يعد: هل للكورد دور؟
بل: ما هو الشكل الدستوري والسياسي لهذا الدور في شرق أوسط يُعاد تشكيله؟
الإجابة لن تُحسم بالشعارات، بل بقدرة القيادة الكوردية على تحويل الحضور الدولي إلى تثبيت قانوني دائم، وبمدى تقاطع المصالح الكبرى مع استقرارٍ يكون للكورد فيه موقع واضح لا قابلية لمحوِه.