َ
المحامي حمزه رشيد الصيداوي
تُعد الحصانة البرلمانية من المبادئ الأساسية التي تهدف إلى حماية أعضاء مجلس النواب من التأثيرات الخارجية والضغوط التي قد تعيق أداءهم النيابي. غير أن هذه الحصانة قد تُساء فهمها أو استخدامها كغطاء للإفلات من المحاسبة. في العراق، أُثيرت تساؤلات عديدة حول حدود الحصانة البرلمانية ومدى توافقها مع قانون العقوبات، وخاصة في ظل وجود اتهامات بالفساد أو التجاوز على القانون بحق بعض النواب.
أولاً: الإطار القانوني للحصانة البرلمانية في العراق
تُمنح الحصانة لأعضاء مجلس النواب العراقي بموجب المادة (63) من الدستور العراقي لسنة 2005، والتي تنص على ما يلي:
“يتمتع عضو مجلس النواب بالحصانة عما يدلي به من آراء في أثناء دورة الانعقاد، ولا يُسأل عنها. ولا يجوز إلقاء القبض على العضو خلال مدة انعقاد المجلس، إلا إذا كان متهماً بجناية، وبموافقة الأعضاء بالأغلبية المطلقة.”
تُقسم الحصانة إلى نوعين:
1.حصانة موضوعية: تحمي النائب من المساءلة عن الآراء والمواقف التي يُعبر عنها أثناء ممارسة دوره النيابي.
2.حصانة إجرائية: تمنع توقيف النائب أو التحقيق معه أو محاكمته خلال مدة انعقاد المجلس، إلا بإذن من المجلس نفسه (في قضايا الجنايات فقط).
ثانياً: العلاقة بين الحصانة البرلمانية وقانون العقوبات العراقي
يُعد قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المرجع الأساسي لمحاسبة الأفراد عن الجرائم المرتكبة، بما فيهم أعضاء مجلس النواب، متى ما رُفعت الحصانة عنهم. وتُطبق بحقهم نفس الإجراءات والعقوبات المتبعة مع باقي المواطنين، في حال تحقق شرط رفع الحصانة.
إلا أن هذه العلاقة تثير عدة إشكالات:
•بطء إجراءات رفع الحصانة: يتطلب توجيه الاتهام لنائب موافقة البرلمان، مما قد يؤدي إلى عرقلة سير العدالة إذا تحوّلت الحصانة إلى أداة لحماية الفساد.
•تسييس المساءلة: في بعض الأحيان، تخضع إجراءات رفع الحصانة لتجاذبات سياسية داخل البرلمان، ما يُضعف مبدأ المساواة أمام القانون.
ثالثاً: إجراءات محاسبة أعضاء مجلس النواب
1. تقديم الشكوى أو البلاغ
تبدأ العملية عادة بتقديم بلاغ أو شكوى من جهة متضررة أو من الادعاء العام، مرفقة بالأدلة اللازمة.
2. طلب رفع الحصانة
يُرفع الطلب من القضاء إلى رئاسة مجلس النواب، مرفقًا بمذكرة توضيحية حول التهم الموجهة.
3. تصويت البرلمان
ينظر البرلمان في الطلب، ويُعرض للتصويت. يحتاج القرار إلى أغلبية مطلقة (نصف +1) لرفع الحصانة عن النائب.
4. المضي بالإجراءات القضائية
في حال رفع الحصانة، يتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحق النائب مثل الاستدعاء، التحقيق، التوقيف أو المحاكمة وفقاً لقانون العقوبات.
رابعاً: الانتقادات والمطالبات بإصلاح النظام
هناك انتقادات متزايدة لنظام الحصانة الحالي في العراق، أبرزها:
•استخدام بعض النواب للحصانة كغطاء قانوني للهروب من الملاحقة القضائية.
•ضعف الشفافية في إجراءات رفع الحصانة.
•غياب إرادة سياسية حقيقية لمحاربة الفساد داخل البرلمان.
لذا، هناك دعوات مستمرة لتعديل الدستور أو إصدار تشريعات تُقنن الحصانة بشكل لا يُضعف من سلطة القانون ولا يُعطل العدالة.
إن الحصانة البرلمانية في العراق تهدف بالأساس إلى حماية العمل النيابي، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى درعٍ يحتمي خلفه الفاسدون أو الخارجون عن القانون. يتطلب الأمر مراجعة تشريعية وسياسية تضمن الموازنة بين حماية النائب، واحترام سيادة القانون، وتحقيق العدالة والمحاسبة للجميع دون استثناء.