كيف فقدت الحركة السياسية الكوردية القدرة على التأثير في مستقبل سوريا؟

عبد الرحمن حبش*

منذ سقوط نظام بشار الأسد وما رافقه من تحولات عميقة في المشهد السوري، برزت تساؤلات جدية داخل الشارع الكوردي حول موقع الحركة السياسية الكوردية في المعادلة السورية الجديدة، ومدى قدرتها على التأثير في رسم مستقبل البلاد بعد سنوات طويلة من النضال السياسي والتضحيات التي قدمها الشعب الكوردي .
لقد تغيرت الظروف والمعطيات التي حكمت المشهد السوري خلال السنوات الماضية، إلا أن الخطاب السياسي الكوردي وأدوات العمل السياسي لم تشهد التطور المطلوب الذي ينسجم مع هذه المتغيرات. فبدلاً من التوافق على رؤية وطنية كوردية موحدة تحفظ الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي ضمن سوريا ديمقراطية تعددية ولا مركزية، قائمة على المواطنة المتساوية والعدالة واحترام إرادة جميع مكوناتها، استمرت حالة الانقسام والتباعد بين القوى السياسية الكوردية ، الأمر الذي انعكس سلباً على حضورها وتأثيرها في الملفات المصيرية.
وخلال السنوات الماضية، أطلقت الرئيس مسعود بارزاني والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا عدة مبادرات بهدف تقريب وجهات النظر بين الأطراف الكوردية السورية والوصول إلى موقف سياسي موحد. واستمرت هذه الجهود لأكثر من عامين وسط قناعة دولية بأن وحدة الصف الكوردي تشكل شرطاً أساسياً لضمان مشاركة فاعلة للكورد في أي تسوية سياسية مستقبلية. إلا أن تلك المحاولات لم تحقق أهدافها، وبقيت الخلافات الداخلية أقوى من فرص التوافق.
في تلك المرحلة، سادت لدى بعض الأطراف الكوردية قراءات سياسية افترضت أن موازين القوى الإقليمية والدولية قد تفتح الباب أمام دور كوردي أكبر في إدارة المرحلة الانتقالية السورية، وأن القوى المسيطرة في شمال وشرق سوريا يمكن أن تكون شريكاً أساسياً في إعادة تشكيل النظام السياسي الجديد. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن حسابات القوى الدولية والإقليمية كانت أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً، وأن العديد من السيناريوهات التي بنيت عليها الرهانات السياسية لم تتحقق على أرض الواقع.
كما أن الحركة السياسية الكوردية لم تتمكن من بناء استراتيجية مستقلة توازن بين المصالح الدولية والإقليمية المتصارعة على الساحة السورية. فبدلاً من صياغة مشروع سياسي كوردي وطني جامع، بقيت بعض القوى أسيرة حسابات المحاور الإقليمية وتأثيراتها المباشرة، سواء المرتبطة بتركيا أو إيران أو غيرهما من القوى الفاعلة في الملف السوري. وقد انعكس ذلك على قدرتها في اتخاذ قرارات مستقلة تخدم المصلحة القومية والوطنية الكوردية .
واليوم، ومع صعود قوى جديدة إلى واجهة المشهد السوري، بات واضحاً أن الفرصة التاريخية التي كانت متاحة للكورد من أجل تثبيت حقوقهم الدستورية والسياسية قد تعرضت لانتكاسة كبيرة. فبدلاً من أن يكون الكورد طرفاً أساسياً في رسم مستقبل سوريا، تراجع حضورهم السياسي نتيجة الانقسامات الداخلية وسوء تقدير التحولات الإقليمية والدولية.
إن تحميل المسؤولية للخارج وحده، أو الاكتفاء بالحديث عن تخلي القوى الدولية عن الكورد، لا يكفي لفهم حقيقة ما جرى. فالمراجعة السياسية الصادقة تقتضي الاعتراف بأن جزءاً مهماً من المشكلة كان نابعاً من الداخل الكوردي نفسه، ومن غياب الرؤية الموحدة، وعدم استثمار الفرص السياسية المتاحة في الوقت المناسب.
إن المرحلة الحالية تتطلب خطاباً سياسياً جديداً يقوم على الواقعية السياسية، واستقلالية القرار الكوردي ، وتعزيز وحدة الموقف الوطني الكوردي ، بعيداً عن الارتهان لأجندات الآخرين أو انتظار حلول تأتي من الخارج. فحقوق الشعوب لا تنتزع بالرهانات المؤقتة، بل تبنى عبر وحدة الصف، ووضوح المشروع السياسي، والقدرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية بوعي ومسؤولية.
ويبقى السؤال المطروح أمام الحركة السياسية الكوردية في سوريا
هل ستستفيد من دروس السنوات الماضية لإعادة بناء مشروع وطني كوردي جامع، أم أن حالة الانقسام والارتهان للمحاور الخارجية ستستمر، ما يؤدي إلى مزيد من تراجع الدور الكوردي في رسم مستقبل سوريا؟

*سكرتير الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي

قد يعجبك ايضا