التلاقح المعرفي والفكري للحضارات الانسانية

الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي

انشغل الكثير من علماء التاريخ والحضارة بدراسة عوامل قيام الحضارات، وأسباب نشوئها ومظاهر تميزها، وما قدمته من عطاء وإبداع، وأيضاً دراسة أسباب سقوط الحضارات وتراجعها، ولكن قليلة هي الكتابات التي توقفت عند القيم التي حكمت مختلف الحضارات الإنسانية، وهي على قدر اختلافها وتنوعها تحفل بالكثير من المشتركات التي يمكن التوقف عندها بتمعن، وأخذ القيم المستفادة منها.

و ما القيم المشتركة للحضارات الإنسانية، ولأن الحضارة لا يمكن أن تختزل في تعريف واحد، نظرا لتشابكاتها العديدة مع علوم إنسانية كثيرة، علما أن وراء كل تشابك حضاري و معرفي قيما و التقاطعات المعرفية، مع الأخذ في الحسبان خصوصية الرؤية للحضارة، وهي رؤية نابعة من سؤال الأمس واليوم الذي نطرحه على أنفسنا بصدد تقدمنا الحضاري: كيف ومتى.

القيم الحضارية وتقاطعاتها المعرفية، وهذا ما يسمى ” الروح الاجتماعية ” والتي تندرج تحتها ” الذاتية المشتركة ” فهي تعني ” النزوع الفطري لدى البشر للتعاهد المتبادل والنزوع للاستجابة المتبادلة، وإن بعض هذا النزوع الفطري عرفاني أو فكري، وبعضه وجداني، ولكن الطبيعة البشرية والشخصية والبشرية لا توجدان على أي حال إلا داخل ومن خلال العلاقات بين الناس وبعضهم البعض .

وتعزز الحضارة، في المقام الأول جمعية مميّزة وهي ليست مقصورة على شعب معين، فالمعتاد أن يساهم فيها عدة شعوب وأجناس، لذا فهي تتسم بالمنطقية والعمومية، وهي قبل أي شيء تتسم بالتقدمية ولهذا السبب تنتشر بشكل لا يمكن مقاومته عبر العالم كله، وقد لا تحقق السعادة الفردية كما نتوهم أو المصلحة العامة، ولكن رأس مال الإنسانية يزداد في كل الأحوال، فكل الأمم والحضارات تتجه في الواقع لتصبح أكثر قوة وأكثر عمومية ومنطقية لوجود حالة من التنازع الفكري بين بعض الأمم و مفهوم الحضارة في بعده الأممي الكوني في مجالي القيم والفكر، هذا مصدر للخطر على الثقافة المحلية المميزة، وهذا عائد إلى ما لاحظه تأثر النخبة الحاكمة والصفوة لديهم بالثقافة ، وتباهيهم بالحديث باللغة ، ويرى المفكرون أن هذه حضارة مستعارة، غير أممية ولا كونية، وهي نابعة من الهاجس الذي يرى أن الثقافة تعكس الوعي الذاتي هي دائمة البحث عن حدودها وإعادة ترسيم هذه الحدود، سياسيا وروحيا فقضية تنازع الحضارة والثقافة هاجس دائم خوفا من طغيان الحضارة الأجنبية وهي دخيله على الثقافة المحلية، وهذا طبيعي وفق منطق سيادة ثقافة الغالب على المغلوب، وأن الأمم المنهزمة حضاريا لديها الرغبة في التأثر بثقافة المنتصر.

وقد تأكد الأمر بما طرحه المفكرون حضارة الصفوة هي حضارة مستعارة، لم تكن داخلية بل مجرد صيغ شكلية واستعراض خارجي، واشتقت المبادئ الأخلاقية للطبقة الأرستقراطية من قواعد شرف مصطنعة و دعوى التكامل الفردي والإنجاز العلمي والفني، ووضع الإنجاز الفردي في النمو الروحي في منزلة تفوق المكانة الموروثة وزخرف البلاط المصطنع وانني ارى ان هناك نزاع ثقافي بين مجتمعين مختلفي اللغة، متوحدي الحضارة، وإنما يكون الأمر نزاعا حضاريا عندما تكون الأمة متخلفة حضاريا، وذات رصيد ثقافي بسيط مغلق، وتعارض التحضير خوفا من الذوبان في ثقافة المنتصر، فتغلق بابا للتقدم بدافع الانسب، فليس هناك انغلاق محكم كما يظن البعض، وأن هذا الانغلاق يولّد انفجارا تكون محصلته الهوس بحضارة المنتصر وتقدمه وأيضا ثقافته.

ان الصراع الثقافي في عالمنا، وما تسعى إليه الحضارة الحديثة من هيمنة ثقافية على الشعوب الأخرى، أو بالأدق تذويب ثقافة الشعوب الأقل حضارة، حيث نقول: ” يمكننا أن نتعلم احترام كل ثقافة ككل متكامل، مهما بدت أدنى من ثقافتنا، أو مهما كنا محقين في أن نستهجن بعض سماتها. إن الهدم المتعمد لثقافة أخرى ككل، لهو خطأ لا يمكن إصلاحه، وتقريبا على الدرجة نفسها من شرور؛ معاملة البشر .

و في علاقة الحضارة بالثقافة، تبرز قيم أن الحضارة تعتمد على التلاقح المعرفي والفكري من الثقافة المجتمعية، وأيضا من الحضارات الأخرى، السابقة أو المعاصرة وتكون معطاءة للحضارات اللاحقة عليها. و أن الاستعلاء الحضاري لا يعني ذوبان الخصوصيات الثقافية للمجتمع أو المجتمعات الأخرى، بقدر ما تحافظ على هذه الذوات، وتكون الثقافة المجتمعية هي صبغة الحضارة، الانغلاق الثقافي ويعني الجمود والتحجر وأيضا رفض التلاقح الفكري، والتبادل المعرفي، من أكبر أسباب التخلف الحضاري، وسبب أيضا في الانفجار الذي يظهر في تقليد الحضارة الأقوى و أن الحضارة الحقيقية تكون ذات صبغة إنسانية، تحترم الشعوب الأخرى، وتأخذ بأيديها، وتحترم ثقافتها.

قد يعجبك ايضا