أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر
في بلد مثل العراق، حيث تتشابك التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم تعد الأزمات مجرّد انعكاس لفشل السياسات، بل أصبحت أداة إدارة وتكتيكًا مقصودًا بحد ذاته. تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في العلاقة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كوردستان، إذ نشهد، ومنذ سنوات، تواترًا لأزمات متكررة ومفتعلة تُستخدم كأدوات ضغط سياسي ومساومات آنية.
بدلًا من أن تُوظف الدولة أدوات الحكم الرشيد لبناء توافق وطني شامل، نجد أن صناعة الأزمات تحوّلت إلى وسيلة لتأجيل الحلول وفرض الإرادات السياسية. فمن أزمة الرواتب إلى الخلافات حول النفط، ومن ملف الموازنة إلى التدخل في الشؤون الإدارية للإقليم، تتكرر الأزمات بوتيرة موسمية، تُفتعل عند الحاجة، وتُهدأ عند المصلحة.
تتعامل الحكومة الاتحادية مع إقليم كوردستان وكأنه طرف خارجي، لا شريك دستوري في دولة اتحادية. ففي كل مرة يُطالب فيها الإقليم بحقوقه المالية والدستورية، يتم إخراج ورقة أزمة جديدة: مرة باسم “تسليم النفط”، ومرة باسم “الشفافية”، وثالثة باسم “العدالة في التوزيع”، دون معالجة جوهرية للأزمة البنيوية في العلاقة بين الطرفين.
فعلى سبيل المثال، امتنعت الحكومة الاتحادية عن صرف رواتب موظفي الإقليم لشهور طويلة في أعوام 2014، 2020، و2023و2025،، رغم تأكيد المحكمة الاتحادية في قراراتها على ضرورة الالتزام بدفع الرواتب كونها “حقًا دستوريًا لا يجوز ربطه بالخلافات السياسية” (قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 121/اتحادية/2022)
هذه الأزمات المفتعلة لا تأتي من فراغ، بل تُستخدم كغطاء سياسي لتغطية إخفاقات داخلية أو لتحويل أنظار الرأي العام من قضايا أكبر، كالتدهور الأمني أو الصراع داخل المكونات أو التنافس الإقليمي والدولي في الساحة العراقية.
إن استمرار نهج “الإدارة بالأزمة” لا يؤدي سوى إلى تآكل الثقة بين المكونات، ويضعف الهوية الوطنية الجامعة، ويكرّس الانقسام المؤسساتي. كما أن تعمّد خنق الإقليم ماليًا أو تعطيل استحقاقاته، يؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية تمامًا، من أبرزها تعميق الشعور بالاغتراب وتفكك الرابط الفيدرالي الذي يفترض أن يكون أساسًا لوحدة العراق الجديد.
ليس في مصلحة أحد أن تُدار دولة مثل العراق، بتعدديتها وتعقيدها، بمنطق الأزمات. إذ لا يمكن بناء استقرار حقيقي دون شراكة حقيقية، ولا شراكة دون ثقة، ولا ثقة دون التزام صادق بالدستور. ما تحتاجه بغداد ليس خلق أزمة جديدة كل موسم، بل قرار سياسي شجاع بالانتقال من منطق السيطرة إلى منطق التعايش، ومن منطق الإقصاء إلى منطق التوازن.
إن نهج الأزمات يؤدي إلى تقويض مبدأ الشراكة الحقيقية، ويُضعف ثقة المواطن الكوردي بالدولة العراقية. وبحسب استطلاع أجرته منظمة “غالوب الشرق الأوسط” (2024)، فإن 71% من المواطنين في إقليم كوردستان يعتقدون أن “الحكومة الاتحادية تتعمد إضعاف الإقليم ماليًا وسياسيًا”.
هذا الشعور بالتهميش لا يُهدد وحدة العراق فحسب، بل يفتح الباب أمام خيار الاستقلال وقد تزداد شعبيتها في ظل تكرار الخذلان من العاصمة.
لم تعد سياسة افتعال الأزمات أداة حكم مقبولة في دولة تسعى للاستقرار. إن الاستمرار بهذا النهج يُقوّض أسس الشراكة الوطنية ويُهدد وحدة العراق الاتحادي. الحل الجذري يبدأ بالالتزام الصارم بالدستور والعدالة في توزيع الصلاحيات والثروات. يجب الانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، ومن سياسة العقوبات إلى ثقافة الإنصاف. فقط بعقد وطني جديد تُبنى الثقة، وتُطوى صفحة الأزمات المفتعلة إلى الأبد