د. حسن كاكي
تعد القضية الكوردية واحدة من تلك القضايا المتشعبة والمعقدة في الشرق الأوسط، بحكم تواجد الكورد على ارضهم كوردستان في المنطقة الحدودية المشتركة بين كل من : تركيا، سوريا، العراق، ايران، مع وجود قلة منهم في لبنان وأرمينيا وأذربيجان، ونتوءات داخل الاتحاد السوفيتي السابق، وبالنسبة لتركيا، كانت تشكل هذه المسألة مصدراً للتوتر وعدم استقرار العلاقات بينها وبين تلك الدول المجاورة، فأي تحرك اقليمي للكورد في أية دولة ستكون لها تداعيات وانعكاسات على بقية المناطق الأخرى أو الدول الأخرى، لذلك فالقضية الكوردية من القضايا الرئيسية التي تشغل بال صانعي القرار في هذه الدول وبالذات في تركيا، على مستوى السياستين الداخلية والخارجية، لأنها تدخل في اطار مفهوم ما يسمى بـ”قومية السياسة الخارجية” في تركيا.
بالإضافة الى كل ذلك، فأن القضية الكوردية تعد من أكثر القضايا تهديداً للأمن القومي والتوازن داخل المجتمع التركي، لأن تركيا كجمهورية كانت تعاني منذ شهر (آب) من العام 1984 من حركة مسلحة قوية في كوردستان الشمالية (كوردستان تركيا)، من قبل حزب العمال الكوردستاني (pkk) بعد أن ظهرت في تركيا قبل ذلك ثماني وعشرين انتفاضة وثورة كوردية، وسبب ذلك عدم اعتراف تركيا والاقرار بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وتدني الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الكوردية، لتتبنى تركيا، لاحقاً، الخيار الأمني والعسكري من أجل القضاء على الحركة الكوردية المسلحة بقوة السلاح دون اللجوء الى حلول سلمية، وضرورة حلها بشكل ديمقراطي.
لذا أصبحت القضية الكوردية في تركيا ملفاً دائم التوتر في العلاقات التركية ليس مع دول العراق وسوريا وايران فحسب، بل مع دول الاتحاد الأوروبي أيضاً، إذ كانت تصر أنقرة على القول بأن القضية الكوردية من صنع الخارج، وانها مشكلة ارهاب، في حين انها في جوهرها قضية حقوق شعب يعود تاريخها الى أكثر من ثلاثة قرون عندما كانت ولايات كوردستان داخل الدولة العثمانية.
فخطوة القاء السلاح والاتجاه الى النضال السلمي من قبل حزب العمال الكوردستاني يعد خطوة رائعة، وتاريخية بالاتجاه الصحيح، فالنضال الفلسطيني لم يحترم عالميا إلا من خلال ثورة الحجارة، لأنه لا توجد مكاسب في الحرب، وزمن الحروب، والكفاح المسلح قد ولى في هذا العصر طالما هناك قنوات اخرى ممكن الوصول فيها الى الهدف المرجو .
لكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه في كل هذا هل الدولة التركية، والمتمثلة بحكومة حزب العدالة والتنمية AKP ورئيس وزرائها اردوغان يوفي بوعوده في اقرار الحقوق القومية للشعب الكوردي في تركيا وبكل شفافية دون العمل على محاولة صهرهم في البودقة التركية ؟ وهل سيأخذ بعين الاعتبار مطالب الشعب الكوردي لأجل اقامة ارضية للتعايش الانساني والسلام في المنطقة ؟ .
بالأمس نكث كمال اتاتورك بوعوده بمنح الكورد الحكم الذاتي بعد أن ناصروه ضد قوات التحالف (بريطانيا وفرنسا) في تحرير تركيا، وقتل وهجر منهم مئات الألوف وبأبشع الطرق، فمن المعروف ان تركيا لم تستطيع مسايرة الغرب في انتهاج نهج ديمقراطي سواء في ادارتها الداخلية، او في تعاملها مع دول الجوار، وبقيت السيادة للعسكر، ونظامها العسكري، فكلما تقدمت خطوة نحوا الغرب، وانظمتها الديمقراطية تراجعت خطوتين نحو الشرق (وانظمتها القومية الشوفينية) وهي تقلد الاسلاف باللجوء الى منطق القوة، والتهديد، وتمسكها بدستورها البالي المقدس الذي مضى عليه قرابة قرن دون تعديل، ناهيك عن النقص الفلسفي الطاغي على عقول القادة الاتراك لمفهوم الدولة العصرية في زمن الديمقراطيات .
وماذا ستفعل الأحزاب الكوردستانية ؟ في حال لم تتأخذ تركيا خطوة واحدة باتجاه حل القضية الكوردية سوى بعض الشعارات البراقة مثل منح الكورد بعض الحقوق الثقافية، وبعض الاصلاحات الديمقراطية، في محاولة للوصول الى عتبة السوق الأوربية المشتركة .
وماذا تفعل الدول الداعمة لهذا الاتفاق ؟ اذا علمنا ان انها تبحث عن مصالحها ضمن التغييرات التي تحصل في منطقة الشرق الاوسط، ناهيك عن غمطها لحقوق الشعوب في حق تقرير المصير، والتمادي في ذلك الى درجة وصف الحركات المتطلعة الى الاستقلال (والتي لا تتوافق مع مصالحا)، بالإرهاب، والتعامل معها على هذا الاساس في حين يغضون النظر مع من يخفون العنصرية والكراهية للآخر بذرائع شتى منها عدم التدخل بالشؤون الداخلية لهذه البلدان، فكل ما يقال عن حقوق الانسان، وتحرير الشعوب والديمقراطية هو مجرد كلام وهراء في هراء، وتباً لكل الوعود والخطب الجوفاء، ولتختفي وجوه الساسة واصحاب حقوق الانسان وتجار الثورة والثوار واصحاب المزادات ودكاكين المواثيق الدولية، فالحقوق تأخذ ولا تمنح .. وأن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب .
اخيراً أن حقوق الشعب الكوردي يجب ان تنحصر بالاعتراف الدستوري بوجود القومية الكوردية كقومية ثانية في تركيا، وشريك أساسي في السلطة السياسية، والاعتراف بحقهم في حكم أنفسهم عن طريق الفيدرالية، وبخلافها يجب اتحاد الاحزاب الكوردية بقوة لرفع مستوى المشاركات الشعبية، وتحشيد الشارع الكوردي للمظاهرات، والاعتصامات، والاحتجاجات للمطالبة بحقوقهم العادلة وكذلك عودة النواب الكورد الى مقاعدهم في البرلمان التركي والقتال من على منبر البرلمان كما قال فخامة الرئيس مسعود البارزاني، وبخلافه يعد هذا الاتفاق قفزة في الهواء، وليس خطوة نحو الأمام، وتذهب دماء الشهداء سدى وستكون بكاء والم من احرقوا اسلحتهم غصة في القلوب، ونأمل ان يشكل هذا الاتفاق نهاية لمعاناة الشعب الكوردي على ارضه وبداية لحق تقرير مصيره .