آزاد حميد شفي
يُعدّ قطع رواتب موظفي إقليم كوردستان إجراءً جائرًا لا ينسجم مع أحكام الدستور العراقي ولا مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فهذه الخطوة، التي اتُّخذت خارج الأطر القانونية والمؤسسية، لا يمكن تصنيفها ضمن سياسات التقشف أو الإصلاح المالي، بل تُعد وسيلة ضغط سياسي مكشوفة تهدف إلى إضعاف موقع الإقليم الدستوري وتقويض استقلالية قراره السياسي والإداري.
أولًا: على المستوى الدستوري والقانوني المحلي، يتمتع إقليم كوردستان بوضع اتحادي مُعترف به بموجب الدستور العراقي لعام 2005، الذي يقرّ بوجود سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية خاصة بالإقليم. كما تنص المادتان (111) و(112) على مبدأ الملكية المشتركة للثروات الطبيعية، وضرورة توزيعها بشكل عادل بين جميع مكونات الشعب العراقي. وعليه، فإن أي تعطيل متعمد لصرف مستحقات الإقليم، بما في ذلك رواتب الموظفين، يُعدّ إخلالًا جوهريًا بمبدأ العدالة والمساواة الذي يُفترض أن يحكم العلاقة بين المركز والإقليم.
إن الامتناع عن صرف الرواتب، دون سند قانوني واضح أو قرار قضائي مُبرر، يُمثل خرقًا لمبدأ الشرعية الذي يجب أن تخضع له جميع مؤسسات الدولة، ويضرب مبدأ المواطنة المتساوية، ويُعزز من الشعور بالتهميش والإقصاء لدى شريحة واسعة من أبناء الإقليم.
ثانيًا: من منظور القانون الدولي والاتفاقيات الإنسانية، فإن هذا السلوك يدخل في نطاق “العقوبات الجماعية”، وهي محظورة صراحة بموجب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949. كما يُعد هذا الإجراء انتهاكًا للحقوق الأساسية المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا سيما الحق في العمل والعيش الكريم والرعاية الاجتماعية. ويُعتبر العراق طرفًا موقعًا وملزمًا بتلك الاتفاقيات، ما يُحمّله مسؤولية قانونية مباشرة تجاه مواطنيه في جميع الأقاليم دون تمييز.
كما أن استخدام الرواتب كورقة ضغط سياسي يندرج ضمن السياسات العقابية الجماعية التي لا تقل خطرًا عن الحصار الاقتصادي، وهو ما يهدد النسيج الوطني، ويُضعف من فرص الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق ككل.
تداعيات هذا الإجراء لا تقتصر على البعد القانوني فقط، بل تمتد لتشمل جوانب اقتصادية وإنسانية خطيرة. فحرمان مئات الآلاف من الموظفين وعائلاتهم من دخلهم الشهري يُسهم في اتساع رقعة الفقر، ويؤدي إلى أزمات معيشية واجتماعية عميقة، ويُعرض شريحة واسعة من المواطنين لانعدام الأمن الغذائي والصحي والتعليمي، لا سيما في ظل تراجع الخدمات الأساسية.
ويُلاحظ أن المحكمة الاتحادية العليا، التي يُفترض بها أن تكون الضامن الأول لحماية الدستور وحقوق المواطنين، لم تمارس دورها بالشكل الكافي في هذا الملف، مما فاقم من شعور الظلم، وأضعف ثقة المواطنين في سلطة القضاء الدستوري.
في ضوء ما سبق، يبدو واضحًا أن إجراءات قطع الرواتب لا تستند إلى أسس دستورية أو قانونية، بل تُعبر عن توجهات سياسية مركزية لا تزال تعاني من إرث النزعة التسلطية، وتسعى إلى فرض الوصاية على الإقليم خارج أطر التفاهم والشراكة الدستورية.
ختامًا، فإن استمرار هذه السياسات سيُعيد إنتاج الأزمات والتوترات بين بغداد وأربيل، ويهدد وحدة العراق من الداخل. لذلك، فإن من الواجب على الحكومة الاتحادية أن تتخذ موقفًا مسؤولًا، قائمًا على احترام النصوص الدستورية، وضمان صرف الرواتب دون قيد أو شرط سياسي، والعمل على تعزيز الشراكة الوطنية الحقيقية، وتوزيع الثروات بعدالة، بما يرسّخ الاستقرار ويصون كرامة المواطن في كل أنحاء العراق.