جون بولتون والصديق الحقيقي: حين تتحول المواقف الصلبة إلى إرث إنساني في الذاكرة الكوردية

ماهين شيخاني

مقدمة
في عالم السياسة المتقلب، حيث تُبنى التحالفات وتنهار بناءً على المصالح، يبقى لبعض المواقف وقعٌ لا يزول. هي تلك اللحظات التي تُقاوِم فيها المبادئُ إغراءَ المساومة، وتبقى فيها الكلمات صادقة رغم ضجيج الصفقات.

جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، لم يكن يومًا سياسيًا عاديًا في المشهد الأمريكي. لكن ما جعله راسخًا في الذاكرة الكوردية هو موقفه الاستثنائي في لحظة خان فيها العالم الكورد، وبقي هو وحده على الضفة الأخرى، رافضًا الانسحاب، ومتمسكًا بالوفاء.

1. لحظة الانكسار… ورفض الخذلان

في أكتوبر 2019، وبينما كانت أنظار العالم مشدودة إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ بسحب القوات من شمال سوريا، فُتحت الأبواب على مصراعيها أمام القوات التركية لاجتياح سري كانيه (رأس العين) وتل أبيض.

نتج عن القرار تهجير الآلاف وسقوط ضحايا من المدنيين، وسط صدمة شعبٍ اعتاد الخذلان. في تلك اللحظة، كان جون بولتون الصوت الوحيد في الإدارة الأمريكية الذي وقف ضد القرار.

رفض بولتون الانسحاب دون ضمانات للكورد، وهدّد بالاستقالة، معلنًا بصراحة:
> “لا يمكن أن نخون من قاتلوا إلى جانبنا وسقط منهم أحد عشر ألف شهيد في الحرب ضد داعش.”

2. الثمن: تهميشٌ واستقالة مشهودة

لم يمر موقف بولتون دون ثمن. فقد واجه تضييقًا إعلاميًا، وتعرض حسابه على تويتر للتقييد بعد نشره انتقادات لاذعة لسياسة البيت الأبيض. كتب حينها:

> “يخشون كلماتي، لأنني أقول الحقيقة: الكورد ضحية خيانات غربية متكررة.”

الخلاف بينه وبين ترامب تصاعد على خلفيات عدة، منها تشديده في ملف إيران، ورفضه للصفقة التي عُقدت بين أردوغان وترامب على حساب حلفاء أمريكا الكورد.

وفي نهاية المطاف، كانت استقالته صادمة، ليس فقط لأنها جاءت في لحظة حاسمة، بل لأنها حملت موقفًا أخلاقيًا نادرًا في السياسة الأمريكية.

3. صداقة تُقاس بالمواقف

في وقتٍ فضّل فيه معظم السياسيين الأمريكيين التزام الصمت أو التماهي مع الخط الرسمي، اتخذ بولتون موقفًا مبدئيًا، حتى لو كلّفه ذلك منصبه.

وإن قارناه بغيره:

السياسي الموقف من الكورد الدافع الرئيسي

جون بولتون رفض الانسحاب، دافع عن الحلفاء الكورد أخلاقي ومبدئي
دونالد ترامب تخلى عن الكورد لصالح صفقة مع تركيا تجاري ومصلحي
جو بايدن تجاهل الانتهاكات التركية في عفرين أولويات جيوسياسية أكبر

وليس من قبيل المبالغة القول إن بولتون ترك أثرًا في الوجدان الكوردي، وهو ما انعكس في كتابه The Room Where It Happened حيث خصّص فصلًا لكيفية خيانة الكورد، مؤكدًا في لقاءاته المتكررة أن “الشعب الكوردي يستحق دولة وكيانًا مستقلًا”.

4. حين تُصنع الصداقة من اختبار المحنة

من سري كانيه، قال أحد الناشطين بعد الاجتياح التركي:

> “في تلك اللحظة، تمنيّنا لو كان في البيت الأبيض ألف بولتون.”

في ذروة الألم، لا ينسى الكورد من وقف إلى جانبهم، لا حين كان ذلك سهلًا، بل حين كان ثمنه العزلة والخسارة.

المواقف النبيلة لا تُقاس بالكلمات، بل بالشجاعة وقت الصمت العام، وبالصدق في اللحظات التي تميل فيها الكفة للخيانة.

خاتمة: لأن الوفاء لا يُنسى

ربما لم يكن جون بولتون السياسي المثالي في كل الملفات، وربما أثار مواقفه الجدل في أكثر من محطة. لكن موقفه من الكورد سيبقى علامة فارقة.

لقد تعلّم الكورد عبر تاريخهم الطويل أن الصداقة لا تُقاس بالتصريحات، بل بالأفعال. وجون بولتون، في لحظة فارقة، اختار أن يكون صديقًا حقيقيًا لا مجرّد مسؤول عابر.

ولذلك، سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة أمة لا تنسى من وقف معها يوم تخلى عنها الجميع.

قد يعجبك ايضا