الترشح للانتخابات في العراق: خدمة وطنية إم صفقة مالية ؟؟؟؟؟

مهند الصالح

لطالما كانت الانتخابات في الدول الديمقراطية وسيلة للمشاركة الشعبية وتعبيرًا عن إرادة المواطنين في اختيار من يمثلهم في إدارة شؤون البلاد. إلا أن التجربة العراقية بعد عام 2003، وبالرغم من تبني نظام ديمقراطي وانتخابي ظاهريًا، بدأت تنحرف تدريجيًا عن مسارها المفترض، حتى بات الترشح للانتخابات في العراق لا يُنظر إليه كخدمة وطنية، بل كصفقة مالية وتجارية تديرها قوى متنفذة تملك المال والسلاح والسلطة.

وواقع الترشح في العراق اليوم
ومع كل دورة انتخابية، يزداد الحديث عن تكاليف الترشح الباهظة، وصفقات شراء الأصوات، واستخدام النفوذ السياسي والقبلي والديني في التأثير على الناخبين. تحولت الحملات الانتخابية من برامج وخطط إصلاحية إلى استعراض للثراء والقدرة على الحشد، حيث تُصرف الملايين على الإعلانات والدعاية، ليس بدافع إقناع الناس بالكفاءة، بل لضمان الولاءات والصفقات.

لم تعد الكفاءة ولا النزاهة ولا حتى الشعبية من الشروط الضرورية للترشح، بل أصبح المال السياسي هو العامل الحاسم. يُستخدم المال لشراء الذمم، وتمويل الحملات، وتثبيت النفوذ في مفاصل الدولة لاحقًا. والنتيجة هي أن البرلمان يُنتخب بطريقة شرعية شكليًا، لكنه يعكس مصالح القوى المالية لا هموم الشعب.وأحزاب السلطة والاحتكار الانتخابي
تُسيطر على العملية الانتخابية أحزاب كبيرة تمتلك قنوات إعلامية، وميليشيات مسلحة، وشبكات مصالح اقتصادية، ما يجعل من الصعب على المستقلين أو المرشحين الشرفاء منافستها. وبدلًا من أن تكون الانتخابات مناسبة لتغيير الواقع، تحولت إلى آلية لإعادة إنتاج نفس الطبقة السياسية التي تتحكم في مقدرات البلاد.
وهذا ما جعل الناخب بين( الإحباط والابتزاز) لذلك لم يعد الناخب العراقي يؤمن بجدوى صوته في التغيير، بعدما رأى أن الانتخابات لا تُفضي إلى تحسين معيشته أو محاربة الفساد. في المقابل، يُبتز بعض الناخبين بطرق مباشرة وغير مباشرة: مرة بتوزيع الأموال والبطاقات التموينية، وأخرى بالتهديد أو التخويف الطائفي. وهكذا، يُفرغ الفعل الانتخابي من مضمونه.
ومن اجل إعادة الاعتبار للعملية الانتخابية
لكي تستعيد الانتخابات دورها كأداة للتغيير وخدمة الوطن، لا بد من:
1. تشريع قوانين تمنع استخدام المال السياسي وتجرّم شراء الأصوات.
2. تمكين القضاء الانتخابي ليكون نزيهًا ومستقلًا عن السلطة السياسية.
3. حماية المرشحين المستقلين من الابتزاز أو الإقصاء.
4. تعزيز الوعي الشعبي بأن التغيير يبدأ من الصندوق لا من الشارع فقط.
5. فصل الأحزاب عن السلاح، وإنهاء ظاهرة الميليشيات المتحكمة في القرار السياسي.

إن انحراف الانتخابات في العراق عن مسارها الطبيعي يحوّل الترشح من واجب وطني إلى تجارة مربحة، ومن أداة للتغيير إلى وسيلة لإعادة إنتاج الفساد. إن مسؤولية إصلاح هذا الواقع تقع على عاتق الجميع: الدولة، والمواطن، والنخب الواعية، وكل من يؤمن بأن العراق يستحق مستقبلًا ديمقراطيًا حقيقيًا

قد يعجبك ايضا