من الطائفية الى القومية .. افلاس سياسي يعاد تسويقهُ انتخابيا

صالح المندلاوي

في كل مرحلة مفصلية يمر بها العراق، تظهر على السطح ذات الوجوه، ولكن بأقنعة مختلفة. بعد أن استُهلكت ورقة الطائفية لثماني سنوات عجاف، استُدرج خلالها وعي الناس إلى صراعات مذهبية لا تُغني ولا تُسمن، جاءت صحوة الشارع العراقي لتنهي الطائفية المقيتة وتُسقط خطابات التحريض والانقسام.

ولم يلبث أولئك السياسيون أن بدّلوا خطابهم، فارتدوا عباءة “المقاومة”، ورفعوا شعارات رنّانة، في محاولة مكشوفة لاستثمار العاطفة الدينية. لكن هذا الدور انتهى على يد من رعى وجودهم أصلًا—الولايات المتحدة والقوى العظمى—التي طوت تلك الصفحة حين انتهى دورها الوظيفي.

واليوم، ومع إفلاس القوى الحاكمة في تقديم أي مشروع وطني جديد، نراهم يعودون بلعبة قديمة في ثوب قومي، محاولين إعادة كسب الشارع من بوابة “الدفاع عن السيادة” و”الحرص على المال العام”. لكن هذه المحاولة ليست سوى لعبة أخرى لخلط الأوراق، وتحويل قوت الشعب الكوردستاني إلى ورقة انتخابية، من خلال فرض مطالب وشروط خال من أي مفهوم دستوري للدولة الفدرالية، بل تقوض أسس التعايش والشراكة الحقيقية بين مكونات العراق.

إن استخدام الإقليم كورقة ضغط انتخابي، وكبش فداء جاهز عند كل استحقاق سياسي،اسطوانة مشروخة لم يعد يُقنع أحدًا. واللافت أن من يلوّحون اليوم بشعارات “العدالة” و”المساءلة” هم أنفسهم من كانوا بالأمس القريب يطرقون أبواب الإقليم طلبًا للدعم والمباركة لقوائمهم الانتخابية، بل ان القوى السياسية التي تعمل حاليا ضد مصالح مواطني كوردستان كانت تطرق أبواب الأحزاب السياسية ولا سيما البارتي وتقدم الوعود لغرض كسب الدعم لتشكيل الحكومة الاتحادية ، في مشهد يُجسد النفاق السياسي بأوضح صوره.

ولم تكتفِ بعض أطراف النخبة الحاكمة في بغداد باستخدام ملف إقليم كوردستان كورقة تفاوضية أو دعاية انتخابية فحسب، بل ذهبت أبعد من ذلك، لتُمارس سياسة التحريض الممنهج وتأجيج الشارع الكُردي ضد حكومته ومؤسساته، في محاولة لنسف ما تحقق من مكتسبات اقتصادية وإدارية وسياسية خلال العقدين الماضيين.

هذا الأسلوب يهدف إلى زعزعة ثقة المواطن الكوردي بحكومته، وخلق انقسام داخلي في الإقليم ، عبر تصوير حكومة كوردستان على أنها السبب في معاناة الناس، بينما يتم تجاهل سياسات الحكومة الفدرالية التي عطلت تنفيذ بنود الدستور، وأعاقت استقرار البلاد.

إنها محاولة مكشوفة لتحويل فشل بغداد في إدارة الدولة إلى أزمة داخلية في الإقليم، عبر خطاب مزدوج لا يستهدف كوردستان فحسب، بل يُهدد وحدة العراق ومبدأ الشراكة الفدرالية برمّته.

لقد أصبحت اللعبة مكشوفة، ومحاولة تحويل قضية قومية إلى معركة انتخابية تعكس حالة التخبط التي تعيشها الطبقة السياسية الحاكمة، بعدما فقدت قدرتها على مخاطبة الشارع بلغة الإنجاز. وبدل أن تُقدم حلولًا حقيقية لأزمات البلاد في الخدمات، والصحة، والبطالة، تُمارس الهروب إلى الأمام، بافتعال أزمات جانبية وتوجيه الرأي العام نحو قضايا خلافية.

ان حكومة السوداني اليوم، ومن خلفها أطراف سياسية ، تبدو وكأنها تراهن على الحصان الخاسر مجددًا. فبدل صناعة مشروع وطني يوحّد العراقيين، تستمر في اللعب على وتر القومية، تمامًا كما فعلت غيرها على وتر الطائفية. لكن الشعب العراقي، بوعيه المتزايد، بات يُدرك هذه الأساليب ولا ينخدع بها مرة أخرى.
الشعب يريد دولة، لا شعارات. وطنًا لا معارك إعلامية. مستقبلًا لا اجترارًا للأزمات. والكرة الآن في ملعب من يملك الجرأة للحديث عن حلول حقيقية، لا من يُعيد تدوير الأزمة بلغة جديدة.

قد يعجبك ايضا