ليس الاقتصاد أولاً… بل الأمن أولاً

محمد علي الحيدري

حين يزور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي واشنطن، ستتحدث البيانات الرسمية عن الاستثمار، والطاقة، والشركات الأميركية، وفرص إعادة الإعمار، وتعزيز الشراكة الاقتصادية. وستلتقط الكاميرات صور المصافحات والابتسامات، فيما تتصدر عناوين الأخبار كلمات مثل “التعاون” و”الازدهار” و”الشراكة الاستراتيجية”. لكن خلف هذا المشهد الدبلوماسي الهادئ، ستكون هناك أجندة أكثر صراحة وأشد حساسية، عنوانها الحقيقي: أمن العراق ومستقبل نفوذ الدولة فيه.

فالولايات المتحدة لا تنظر إلى العراق اليوم باعتباره سوقاً واعدة للاستثمارات فحسب، بل بوصفه حلقة رئيسة في معادلة الأمن الإقليمي. ومن هذا المنطلق، فإن الاقتصاد بالنسبة إلى واشنطن ليس نقطة البداية، بل هو النتيجة التي يمكن الوصول إليها إذا نجحت بغداد أولاً في معالجة الملفات الأمنية والسيادية التي تؤرق صانع القرار الأميركي منذ سنوات.

الإدارة الأميركية تدرك أن الشركات الكبرى لا تستثمر في بيئات يختلط فيها القرار الرسمي بسلطات موازية، ولا تضخ مليارات الدولارات في دول لا تحتكر فيها الحكومات وحدها قرار الحرب والسلم. لذلك، فإن السؤال الأميركي لن يكون: كم مشروعاً ترغبون في تنفيذه؟ بل سيكون: إلى أي مدى تستطيع الدولة العراقية أن تفرض سلطتها على كامل أراضيها؟

ومن هنا يتقدم ملف السلاح خارج إطار الدولة على كل الملفات الأخرى. فواشنطن ترى أن وجود تشكيلات مسلحة تمتلك قرارها المستقل، أو ترتبط بأجندات إقليمية، لا يهدد الأمن العراقي وحده، بل يهدد أيضاً المصالح الأميركية، ويجعل العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة في المنطقة.

ولعل الرسالة الأميركية الأكثر وضوحاً تتمثل في أن أي حديث عن شراكة اقتصادية طويلة الأمد لن يكون مقنعاً ما لم يرافقه تقدم ملموس في إعادة بناء احتكار الدولة للقوة. فالمستثمر الأميركي يبحث عن دولة، لا عن توازنات بين الدولة وخصومها.

ولا يقل ملف النفوذ الإيراني أهمية عن ملف السلاح. فالولايات المتحدة لا تطالب العراق بقطع علاقاته مع إيران، وهو أمر غير واقعي بحكم الجغرافيا والمصالح، لكنها تريد عراقاً يتخذ قراراته انطلاقاً من مصالحه الوطنية، لا من اعتبارات الصراع بين طهران وواشنطن. إنها تريد أن ترى بغداد لاعباً مستقلاً، لا ساحة يتنافس عليها الآخرون.

وفي الوقت نفسه، تدرك الحكومة العراقية أن تحقيق هذا الهدف ليس مهمة سهلة. فالتوازنات الداخلية معقدة، والقوى السياسية التي أوصلت الزيدي إلى رئاسة الوزراء ليست كتلة واحدة، بل تجمعها مصالح متشابكة ورؤى متباينة تجاه العلاقة مع الولايات المتحدة وإيران. ولذلك فإن أي خطوة في اتجاه تقليص نفوذ الفصائل أو إعادة تنظيم المشهد الأمني ستحتاج إلى توافق سياسي داخلي قبل أن تكون استجابة لرغبة خارجية.

لكن الجانب الأميركي ينظر إلى المسألة بمنطق مختلف. فمن وجهة نظره، لا يمكن أن يستمر العراق في طلب الدعم الاقتصادي والعسكري من واشنطن، بينما تبقى أراضيه قابلة لأن تستخدمها جماعات مسلحة لاستهداف القوات الأميركية أو تهديد دول الخليج أو الالتفاف على منظومة العقوبات المفروضة على إيران. وهذا ما يجعل ملف الإصلاح الأمني يتقدم على بقية الملفات، حتى وإن لم يُعلن عنه بهذه الصراحة أمام وسائل الإعلام.

أما الحديث عن الطاقة والكهرباء والاستثمارات، فهو في جانب منه محاولة لبناء حوافز إيجابية للعلاقة الثنائية. فالولايات المتحدة تعرف أن العراق يحتاج إلى شركاتها وتقنياتها ورؤوس أموالها، كما تعرف أن بغداد ترغب في تقليل اعتمادها على الغاز والكهرباء الإيرانيين. غير أن هذه الطموحات الاقتصادية ستظل، في نظر واشنطن، مرتبطة بمدى نجاح الدولة العراقية في فرض بيئة مستقرة وآمنة وقابلة للتنبؤ.

إن زيارة الزيدي إلى واشنطن ستكون اختباراً متبادلاً أكثر منها مناسبة بروتوكولية. فالعراق سيحاول إقناع الأميركيين بأنه شريك يمكن الوثوق به، وأنه يسير تدريجياً نحو ترسيخ سلطة الدولة. أما الولايات المتحدة، فستختبر مدى قدرة الحكومة العراقية على تحويل هذا الخطاب إلى سياسات وإجراءات عملية.

ولذلك، فإن نجاح الزيارة لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي ستوقع، ولا بحجم الاستثمارات التي سيعلن عنها، بل بمدى نجاح الطرفين في بناء ثقة سياسية جديدة. فإذا اقتنعت واشنطن بأن بغداد تمتلك الإرادة والقدرة على استعادة القرار السيادي، فإن أبواب التعاون الاقتصادي ستتسع تلقائياً. أما إذا بقيت الدولة عاجزة عن حسم معضلة السلاح والنفوذ المتعدد، فإن الاستثمارات ستبقى وعوداً أكثر منها مشاريع.

في النهاية، تبدو الرسالة الأميركية واضحة: الطريق إلى الاقتصاد يمر عبر الأمن، والطريق إلى الاستثمار يبدأ من الدولة. أما الرسالة التي ينبغي أن يحملها العراق، فهي أن استعادة السيادة ليست مطلباً أميركياً فحسب، بل هي قبل كل شيء مصلحة عراقية خالصة، لأنها وحدها الكفيلة بتحويل العراق من ساحة للصراعات إلى دولة تجذب الشركاء، لا الأزمات.

قد يعجبك ايضا