الاستاذ الدكتور : نزار الربيعي
أن العرب لم تكن لهم إنجازات في مجال العلوم والفلسفة والنّظم السياسيّة والإجتماعيّة ولكن كان لديهم ” اللّغة والدّين ” فقد تمكّنت اللّغة العربيّة أن تفرض نفسها على الشّعوب الّي انهزمت أمام المسلمين ، وأصبحت لغة السّياسة والعلم ، أمّا الدّين ، فقد اعتنقت هذه الشّعوب هذا الدّين الجديد وقلّ من بقي من سكّن هذه البلاد على دينه الأصلي .أقبل العرب على مجتمعات ذات تراث حضاري واسع مثل الفرس والرومان والهنود واليونان وعمدوا من خلال الترجمة والتحليل إلى تجديد الفكر العالمي بصياغة جديدة طبعوها بالطابع العربي الإسلامي ، وتشكّلت لديهم أسس معرفيّة قامت على معارف وعلوم شعوب أخرى سيكون لها دور كبير في نشأة العلوم العربيّة في مجالات الطب والرياضيّات والفلك والجغرافيا والفلسفة والعديد من العلوم الأخرى الّتي أصبحت علامة فارقة في تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة والحضارة الإنسانيّة على وجه العموم .
أسهم المسلمون في بناء حضارة لأنفسهم ولكنّها لم تكن إبداعاً عربيّا خالصاً ، إذ لايمكن لشعب واحد أن يدّعي عبر تاريخ البشريّة بأنّه قد أنجز حضارة خاصّة به أو تسجّل باسمه ، فالحضارات هي نتيجة تاريخيّة لجهد الشّعوب عبر التاريخ الإنساني ولامجال لاحتكار حضارة ، ومجرّد الإطّلاع على أي مؤلّف في تاريخ الحضارات لايستطيع الكاتب أن يتجاهل دور الشّعوب مجتمعة في وضع أسس الفكر الإنساني . وحيث أن الحضارة السّائدة هذا الزّمان هي الحضارة الغربيّة ، وحاولنا العودة إلى الأسس التي قامت عليها هذه الحضارة لوجدنا أن للحضارة العربيّة الإسلاميّة دور لايمكن تجاهله في تأسيس هذه الحضارة . إن صعوبة تغطية هذا الموضوع تكمن في الكم الكبير من الكتب الغربيّة والعربيّة الّتي تحدّثت عن إسهامات العرب في الحضارة ، ومن الكتب العربيّة الّتي تحدّثت عن هذا الموضوع كتاب عبد الرحمن بدوي والّذي يتحدّث فيه عن دور العرب في تكوين الفكر الأوروبّي حيث أن نرسم خطوطاً إجماليّة لدور الفكر العربي في تكوين الفكر الأوروبي ، لأن هذا الدّور واسع المدى عميق الأثر ، شمل الصّناعات ، ولم يقتصر على الفلسفة والعلوم الطبيعيّة والفيزيائيّة والرياضيّات ، بل امتدّ كذلك إلى الأدب : الشّعر منه والقصص ، وإلى الفن : المعمار والموسيقى منه بخاصّة .
من الكتب الغربيّة الّتي تحدّثت عن دور العرب في بناء الحضار الغربيّة المستشرقة الألمانيّة زيجريد هونكه في كتابها ” شمس اللّه على الغرب ” والّذي كانت تهدف فيه إعادة الإعتبار للعرب وللحضارة العربية ، وفيه رسالة لمن أنكر وينكر دور العرب في الحضارة الغربيّة وذلك بقولها ” إن أوروبا تدين للعرب وللحضارة العربيّة ، وإنّ الدّين الّذي في عنق أوروبا وسائر القارات الأخرى للعرب كبير جدّاً .
لم يعد التغيير قاصراً على بلاد العرب ، وماحدث في الجزيرة العربيّة سيحدث في البلاد الّتي فتحها العرب ، ” وأصبح الإسلام عامل وحدة بين العرب في الجزيرة والأطراف ، وعامل وحدة روحيّة بين أتباعه على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وتباعد ديارهم ، وعى الشّعوب وعامل وحدة قوميّة لجميع الّذين أصبحوا يتكلّمون العربيّة ، مسلمهم ومسيحيّهم.
وكان سبب هذا التأثير المباشر من العرب على الشّعوب الأخرى هو بساطة الّدين الإسلامي وبساطة تعاليمه ممّا جعل هذه الشّعوب تقبل عليه ، وتقبله ديناً لها .
كان من أثر الإسلام على هذه الشّعوب الأخرى مثل بلاد فارس هو حدوث عمليّة مزج بين العرب وغيرهم من الشّعوب وكان من أشكال هذا المزج : مزج في الدم ومزج في النّظم الإجتماعيّة ، ومزج في الآراء العقليّة ، ومزج في العقائد الدّينيّة ، ويقول احمد أمين أن ماعمل على هذا المزج جملة أمور وهي :
تعاليم الإسلام في الفتح ، ممّا جعل غير المسلمين يقبلون على اعتناق هذا الدّين الجديد ، فقد دعا الإسلام إلى العدل والمساواة بين النّاس وعدم التمييز القائم على الأصل أو العرق .
دخول كثير من أهل البلاد المفتوحة في الإسلام .
الإختلاط بين العرب وغيرهم في سكنى البلاد ، حيث أدّت هذه الفتوحات إلى انتقال العرب من الجزيرة العربيّة للسّكن في البلاد المفتوحة ممّا أدّى إلى اختلاط الأعراق والأجناس ، والتبادل الحضاري والثقافي ، ونشوء حضارة جديدة عمادها الدّين الإسلامي وفكرها مزيج من ثقافات الشّعوب الأخرى الّتي اختلط بها العرب لتكوّن معاً حضارة اكتسبت صفة العالمية لكثرة الشّعوب الّتي أسهمت بها . وهذا مادفع ابن خلدون للقول ” من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملّة الإسلاميّة أكثرهم العجم ولامن العلوم العقليّة إلاّ في القليل النادر ، وإن كان منهم العربيّ في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته.
كانت قوّة العرب في البلاد الّتي فتحوها تكمن في أنّهم كانوا يحملون ديناً جديداّ يحرصون عليه ، ومن أهداف الفتوحات نشر هذا الدّين الجّديد .
كان العرب يمثّلون القوّة المنتصرة في هذه البلاد ممّا جعل شعوب هذه البلدان تتودّد إليهم ، ومن أشكال هذا التودّد هو اعتناق هذا الدّين الجديد ، ولذلك لانستطيع القول أن كلّ من اعتنق هذا الدّين الجديد اعتنقه عن إيمان ، بل هناك مصلحة ذاتيّة لبعضهم مثل التخلص من دفع الجزية والّتي يدفعها غير المسلمين ، وسبب آخر هو رغبة هؤلاء النّاس للوصول إلى بعض الوظائف والمناصب في الدّولة الإسلاميّة والّتي كانت مقصورة على العرب والمسلمين.