“إلغاء الإقليم… تجريب الفشل ذاته: قراءة نقدية في دعوات مركزية تعيد إنتاج الكارثة”

أ.د. خليل مصطفى عثمان
استاذ التاريخ العراق الحديث و المعاصر

بين الحين والآخر، تعود إلى السطح دعوات تنادي بإلغاء إقليم كوردستان أو تقليص صلاحياته وسحب مكتسباته الدستورية، وكأن أصحاب هذه الدعوات لم يقرأوا صفحات التاريخ، أو قرأوها وانتقوا منها ما يوافق أهواءهم السياسية الضيقة. فمثل هذه الأطروحات، رغم أنها تتغير في أسلوب التعبير، تظل في جوهرها إعادة إنتاج لسياسات فاشلة جُربت مرارًا، وكانت نتائجها كارثية ليس فقط على الكورد، بل على العراق ككل.

لم تولد هذه الرغبات في إلغاء الكيان الكوردي مع دستور 2005، بل لها جذور أيديولوجية تعود إلى أولى سنوات تأسيس الدولة العراقية الحديثة. ففي عهد عبد الكريم قاسم(1958-1963)، بدأ الترويج لسرديات مشككة في أصل الشعب الكوردي عبر منابر رسمية مثل صحيفة الجمهورية، في محاولة ناعمة لإلغاء الهوية الكوردية، تمهيدًا لإلغاء حقها السياسي. لكن هذه السياسات لم تحصّن النظام، فكان مصيره النهاية الدموية على يد شركائه.

اما عبد السلام عارف (1963-1966)فقد أعلن من جانب واحد بعد معارك دموية انتهاء “المشكلة الكوردية”، لكن الكورد بقوا، فيما احترقت طائرته بمن فيه. أخوه عبد الرحمن عارف(1966-1968)سلك ذات الدرب مع بعض محاولات التهدئة، لكنه دفع ثمن تجاهله للحقوق القومية بانقلاب البعث عليه. وكلما حاول نظام فرض هيمنة قسرية، انتهى إلى هزيمة.

العبرة المتكررة في مسار الصراع الكوردي – المركزي هي أن محاولات الإلغاء، سواء بالقوة الناعمة أو القمع العسكري، لم تؤدِّ سوى إلى مزيد من التشظي والانفجار الداخلي. من اتفاقية الجزائر 1975 (التي عقدها في زمن احمد حسن البكر، 1968-1979)التي بموجبها تنازل العراق عن أراضٍ لإيران مقابل قمع الحركة الكوردية، إلى حملات الأنفال والإبادة الجماعية في عهد صدام حسين(1979-2003)، بقي الكورد، واستعادوا المبادرة في كل مرة، بل وخرجوا أكثر تنظيمًا وإصرارًا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت كل سياسات “الحسم بالقوة” قد فشلت عبر قرن من الزمان، فلماذا يعيد البعض اليوم طرح الفكرة ذاتها؟ أهو جهل بالتاريخ؟ أم قصر نظر سياسي؟

بعد سقوط النظام البعثي في 2003، وُلد دستور جديد يقرّ بحقوق المكونات، وعلى رأسها الكورد، في نظام اتحادي. ومع ذلك، ما زال الفاعل السياسي المركزي يحمل عقيدة الدولة الأحادية ويعجز عن تقبّل تعددية حقيقية. فالدولة تُبنى على التفاهم وليس على فرض الرؤية، وعلى الشراكة لا على التبعية.

استخدام سلاح الاقتصاد، قطع الرواتب، تعطيل الاتفاقات النفطية، تسخير المحكمة الاتحادية، وتوظيف الجيش كأداة داخلية، كلها مؤشرات على عقلية إلغاء ناعمة تسعى إلى “إضعاف الإقليم” بدل حذفه رسميًا. لكنها لا تقل خطرًا.

فدستوريًا: لا يملك أحد صلاحية إلغاء الإقليم أو سحب سلطاته إلا بإرادة شعبه ومؤسساته، وفقًا للمواد 1، 117، و121 من الدستور. أي طرح بإلغاء الإقليم يمثل مخالفة صريحة لنص وروح العقد الاجتماعي العراقي.
وواقعيًا: هل تمتلك بغداد القوة السياسية والأخلاقية لإلغاء تجربة ديموقراطية هي الأكثر استقرارًا نسبيًا في العراق؟ كيف سيتفاعل المجتمع الكوردي مع هذا الإلغاء؟ هل يُرجى من هكذا مشروع سوى المزيد من الفوضى؟
بدل أن نعيد اجترار أطروحات الحذف والإقصاء، ينبغي أن نتقدم نحو شراكة حقيقية تقوم على الاعتراف المتبادل، توزيع عادل للثروة، احترام الخصوصيات، وتثبيت قواعد الاتحاد الطوعي. إن تقوية العراق لا تأتي من إضعاف كوردستان، بل من تمكينها وفق الدستور.

إن مستقبل العراق يتطلب شجاعة في الاعتراف بالتنوع لا في محوه، والإقليم الكوردي لم يكن يومًا مشكلة، بل فرصة لصياغة عراق تعددي حقيقي. أما محاولات إلغاء الإقليم، فهو ليس سوى وصفة جاهزة لتفكك العراق وزعزعة استقراره الجيوسياسي.

إن الدعوة لإلغاء إقليم كوردستان ليست فقط ضربًا من الوهم، بل هي لعب بالنار في ساحة مشتعلة أصلًا. فكل محاولة تاريخية لإلغاء الوجود الكوردي انتهت بانهيار أصحابها وبقاء القضية، وغالبًا ما كان الثمن وطنيًا باهظًا. إننا لا نحتاج إلى مزيد من التجريب، بل إلى قراءة واعية لوقائع الماضي، والبناء عليها نحو مستقبل اتحادي متماسك، يُقر بحق الجميع، لا على حساب أحد.
منذ عهد الزعيم عبدالكريم قاسم، واجه الشعب الكوردي حملات تشكيك وتشويه لهويته، تلاها قمع دموي في عهد الرئيس عبدالسلام عارف الذي أحرق جثته الطائرة ولم تُنهِ “المشكلة الكوردية” كما ادّعى. وتوالت المجازر، من تهجير الآلاف في السبعينيات بعد اتفاقية الجزائر، إلى حملات الأنفال التي أبادت أكثر من 180,000 إنسان ودمّرت 5000 قرية في الثمانينيات. واُستخدمت الأسلحة الكيميائية في حلبجة وبالياسان وبادينان في جرائم إبادة موثقة دولياً.

ورغم ذلك، صمد الكورد في وجه محاولات الإلغاء والتذويب، ودفعوا ثمناً باهظًا من الدم والتاريخ للبقاء على أرضهم وضمن هويتهم.
أن الدعوات لإلغاء إقليم كوردستان لا تعبّر عن رؤية وطنية بنّاءة، بل تعيد إنتاج عقلية الإقصاء التي أثبتت فشلها لعقود. التجربة الكوردية ليست عبئًا على العراق، بل نموذج يمكن البناء عليه لشراكة حقيقية. تجاهل التضحيات والمجازر التي ارتُكبت بحق الكورد لن يُنتج وحدة، بل مزيدًا من التمزق. تقوية الدولة العراقية تمرّ عبر احترام الدستور والاعتراف بحقوق المكونات. وأي مساس بكيان الإقليم هو مساس بوحدة العراق نفسه.

قد يعجبك ايضا