ثورة (گولان) عروس الثورات الكوردية

 

 

 

 

سردار علي سنجاري

تمر علينا اليوم الذكرى 48 على انطلاق عروس الثورات الكوردية ثورة كولان المباركة  التي جاءت بعد انتكاسة ثورة ايلول المجيدة والتي انتهت  بتوقيع اتفاقية الجزائر الخيانية في لعبة سياسة قذرة اشتركت فيها دول عديدة في مقدمتها النظام العراقي البعثي الصدامي والشاهنشاهي الايراني للقضاء على الثورة الكوردية التي بدأت تشكل هاجسا مرعبا للعديد من الدول المهيمنة على كوردستان . ولكن لم يكن في حساب تلك الدول ان إرادة الشعوب وبالتحديد  الشعب الكوردي المعروف بتضحياته وبسالته وشجاعته وعدم  إستسلامه للأنظمة الديكتاتورية  مهما كلفته من تضحيات .

 

من المعروف ان الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعد انتكاسة ثورةً ايلول المجيدة تعرض إلى حالة من التشتت و بروز احزاب كوردستانية اسسها قياديين سابقين في الحزب الإم ما اصاب الحزب في تلك الفترة بنوع من الانهيار التنظيمي . إلا ان القيادة البارزانية والعديد من الكوادر المخلصة وقواعد الحزب بادروا إلى اعادة هيكلة الحزب وتنظيم صفوفه تحت اسم (القيادة المؤقتة) التي تم الإعلان عنها في ١٠ كانون الاول من سنة ١٩٧٥ اي بعد مضي مايقارب تسعة  اشهر على توقيع اتفاقية الجزائر، وقد ضمت تلك القيادة نخبة من الكوادر المتقدمة في جهاز الباراستن وبعض القياديين المنتخبين في الموتمر الثامن للحزب .

 

بعد مرور فترة وجيزة على تشكيل القيادة المؤقتة اخذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني والقيادة المؤقتة العودة إلى ساحات القتال من جديد ردا على الإنتكاسة التي اصابت ثورة ايلول المجيدة وما تعرض له الشعب الكوردي في كوردستان العراق، وقد صدر بيان عن القيادة المؤقتة للحزب الديموقراطي الكوردستاني بتاريخ ٢٥/٥/١٩٧٦ حيث اعتبر يوم السادس والعشرين من شهر أيار ١٩٧٦ بدايةً لإنطلاقة ثورة كوردية جديدة تحت اسم ثورةً كولان نسبة لشهر كولان( أيار).

 

لقد احاطت الظروف التي مرت بها ثورة ايلول بالعديد من الأزمات جراء اتفاقية الجزائر التي نصت على ان تمتنع ايران عن تقديم اي مساعدة او دعم عسكري الى  للحزب الديمقراطي الكوردستاني مما صعب من مهمة الحزب في ايجاد السبل الممكنة للعودة إلى ساحة النضال وديمومة الثورة . وقد تم فرض قيود على القيادة البارزانية من قبل جهاز المخابرات الشاهنشاهي المعروف ب (السافاك) انذاك الذي كان يتابع باهتمام اي تحرك عسكري ضد العراق قد يوثر على نص اتفاقية الجزائر . وبالمقابل كانت الجماهير الكوردية في الداخل الكوردستاني تترقب بشغف عودة الحزب والقيادة الى الساحة الكوردستانية، لأن ما ذاقه شعبنا الكوردستاني من قبل النظام العراقي انذاك بعد الاتفاقية المشؤومة يفوق الوصف جراء الممارسات اللاانسانية واستمرار سياسة التعريب والتهجير القسري واعدام المناضلين، لذا كان ولا بد من الحزب التحرك ومعه المخلصين من ابناء الشعب بشكل منهجي ومدروس للحيلولة دون تعرض الحزب إلى انتكاسة أخرى وقيام نظام الشاه بايذاء قيادة الثورة مما يضيف اعباء وضغوطات اخرى ربما لا يتحملها الشعب الكوردي وتنتهي ثورته وتجربته النضالية الجديدة .

 

لقد جاءت ثورةً (كولان) المباركة امتداداً حقيقيا لثورة ايلول المجيدة التي قادها الخالد الملا مصطفى البارزاني والتي حققت مكسبا كبيراً وهو افاقية 11 اذار ١٩٧٠ الذي اعترفت الحكومة العراقية بموجبه بحقوق شعب كوردستان .

 

انطلقت ثورة كولان المباركة بتخطيط وتوجيهات مباشرة من القياديين الشهيد الخالد ادريس البارزاني والرئيس مسعود البارزاني حيث انطلقت الثورة بالاتفاق مع الخالد الملا مصطفى البارزاني بالعودة إلى ساحات القتال والإعلان عن ثورة جديدة لتكون مكملة لثورة ايلول المجيدة .

 

عندما نستذكر ثورة كولان لابد لنا ان نستذكر الرجال الشجعان الذين صمدوا رغم الظروف الصعبة التي احاطت بانتكاسة ثورة ايلول المجيد و نستذكر المئات من الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم الطاهرة من أجل الشعب والوطن وفي مقدمتهم الشهيد الخالد ادريس بارزاني الذي حمل الأمانة والمسؤولية الكبيرة بإقتدار وكان أهلاً لها في أصعب الظروف وأخطرها حيث كان المناضل الشهيد إدريس البارزاني في  مقدمة الثوار والبيشمركة الأبطال في ميادين المواجهة الساخنة والسياسي المقتدر و رجل السلام الذي أسهم في ترسيخ أسس الانطلاق الى المستقبل عبر ركائز القيم والمبادىء التي ارسى قواعدها النضالية مع رفاق دربه المناضلين وفي طليعتهم الرئيس مسعود بارزاني.

 

كما علينا ان نستذكر نقطة انطلاق الثورة المباركة حيث انطلقت من منطقة حاجي عمران المعروفة بتضحياتها والتي ضمت الالاف من الثوار والمناضلين ابان ثورة ايلول المجيدة والتي تعرضت للكثير من الدمار بسبب مواقفها البطولية المشرفة ولها الفخر ان يكون اول شهداء ثورة كولان احد أبنائها البررة وهو الشهيد السيد عبد الله.

 

ثورة (كولان) مثلها كمثل الثورات الكوردستانية التي سبقتها مرت بمراحل صعبة ومعقدة بسبب الظروف التي احاطت بها وبالأخص قيام النظام العراقي البعثي  انذاك بأستخدام أبشع الأساليب في مواجهة اي تحرك عسكري وسياسي في كوردستان، ومنها استخدام الأسلحة الكيمياوية المحرمة دولية والشروع بعمليات الأنفال السيئة الصيت ما أدى إلى تضحيات كبيرة  في صفوف المدنيين العزل وتدمير ما يقرب من ٤٠٠٠ اربعة آلاف قرية كوردية آمنة ، وجاءت الحرب العراقية الإيرانية لتكون ذريعة للنظام الصدامي في التعامل القاسي مع القضية الكوردية حيث شهدت تلك المرحلة حرب الإبادة الجماعية لأبناء شعبنا الكوردستاني والذي بدأ بتهجير اكثر من نصف مليون كوردي فيلي الى ايران في بداية 1980 وتغييب اكثر من عشرين الف شاب منهم لم يعثر على رفاتهم حتى الساعة و انفلة اكثر من ثمانية آلاف مواطن من منطقة بارزان مهد الثورات الكوردية فضلا على ماتلتها من عملية ابادة جماعية لمعظم القرى والقصبات الكوردستاني والتيراحت ضحيتها اكثر من 180 الف مواطن مدني اعزل، ناهيك عن اعدام ابناء الملا مصطفى البارزاني مع أبنائهم المتواجدين في بغداد انذاك انتقاماً لإنطلاق ثورة (كولان) المجيدة وما حققته من انتصارات عسكرية وسياسية اوجعت النظام البعثي الفاشي.

 

 

 

إذا كانت ثورة ايلول العظيمة هي كبرى الثورات الكوردية فان ثورة (كولان) هي عروس الثورات الكوردية التي احرار العالم بتضحياتها وإنجازاتها وحققت للشعب الكوردستاني أهدافه وتطلعاته المتمثلة بإعادة الأمل للأمة الكوردستانية بان رغم الإنتكاسة التي اصابت ثورة ايلول إلا انها لم تنكسر بل استعادة قدراتها ووحدت صفوفها رغم ما مر به الحزب الديمقراطي الكوردستاني من انشقاقات وخلافات داخلية بين الأحزاب الكوردستانية انذاك و استمرّ في النضال من أجل تحقيق اهدافه ونيل حقوقه المشروعة.

 

على الجيل الكوردستاني الحالي الذي لم يعيش ايام تلك الثورات والتي رسمت لهم مستقبلا مشرقا ومشرفا، عليهم ان يستذكروا التضحيات التي قدمها آبائهم وأجدادهم من اجلهم والمشقات والصعاب التي واجهوها في تلك المرحلة لم تكون هينة فالظروف المحلية كانت في اشد قساوتها باتجاه الكورد وقضيتهم العادلة وكذلك المواقف الدولية التي نراها اليوم تصب في مصلحة الشعب الكوردي  لم تكن موجودة في تلك المراحل من النضال بل مرت الثورات بصعاب جسام من أجل الصمود وتحقيق أهدافها، لذلك على شعب كوردستان الألتفاف حول قيادتها الرشيدة المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني وفخامة الرئيس مسعود بارزاني، للدفاع عن كيان اقليم كوردستان الذي بني على انهار من الدم وتضحيات جسام وعقود من النضال المرير.

 

واخيرا ينبغي الأعتراف بهذه الحقيقة ان ماينعم به شعب كوردستان اليوم من امن واستقرار وحرية وازدهار في كافة المجالات ماهو إلا نتاج لتضحيات ابطال ثورتي ايلول وكولان، وان كان التاريخ الإنساني منصفاً عليه ان يدون تلك الحقبة الصعبة من تاريخ شعبنا بحروف من الذهب، اكراما لدماء الشهداء وتضحيات الشعب الذي شهدنا العديد من ملاحمه في مراحل متعددة من تاريخ الثورتين العظيمتين.

قد يعجبك ايضا