د. ماجد احمد الزاملي
الجزء الثالث والأخير
ومع ظهور الكثير من الأحزاب في أعقاب سقوط الديكتاتورية عام 2003 في العراق ، واجه الناخبون مهمة شاقّة في محاولة تحديد الحزب الذي سيمثّل مصالحهم خير تمثيل. والذي زاد المشكلة تعقيداً هو واقع أنّ أحزاباً كثيرة بدت وكأنّها صورة طبق الأصل عن بعضها البعض، وتخلو من أي إيديولوجيا، وتعتمد على تأييد مجموعة صغيرة من النخبة. حتّى تلك الأحزاب التي تبنّت إيديولوجية معيّنة تبدو في أغلب الأحيان وكأنّها تخفّف من مدى تأثير هذه الإيديولوجيا على تحديد هويّتها. وتملك جميع الأحزاب تقريباً مناهج وخططاً غامضة ومتخلّفة. والنتيجة كم هائل من المنظمات السياسية المتشابهة التي يكاد يستحيل على الناخبين التمييز في ما بينها. غالباً ما تعتمد الأحزاب على شخصيات مؤسّسيها بدلاً من التركيز على برامج واضحة، الأمر الذي جعلها غير قابلة للاستدامة على المدى البعيد، وأثار الشكّ في صفوف المواطنين من أن يكون هدف هذه الأحزاب الحقيقي هو تمجيد شخصية الأفراد عوضاً عن رفاه الشعب. وهناك العديد من الفرضيات العملية التي قد تظهر نتيجة لتطبيق حرية تكوين الأحزاب السياسية ومنها كيفية ضمان الوحدة الوطنية للبلاد بعد تبني التعددية الحزبية باعتبار أن الأحزاب تزيد من عوامل الاضطراب والانشقاق والتشرذم السياسي في الدولة. فمبدأ المواطنة يرفض تشكيل أحزاب سياسية على أساس ديني أو طائفي من حيث البرامج والعضوية والأهداف والنشاط , وان كان يقبل تأسيس أحزاب مدنية ذات مرجعية دينية تستلهم برامجها من الشرائع السماوية باعتبارها مرجعية ثقافية تهيمن على المجتمع. والأحزاب السياسية تؤثر بشكل مباشر على سير و حركة النظام السياسي و ضمان استمراره و استقراره، حيث تؤدي دوراً حاسما في تنشيط الحياة السياسية و ركناً أساسياً من أركان النظم الديمقراطية، فأداء الأحزاب ينعكس سلباً أو إيجاباً على نوعية الحياة السياسية و على مستوى التطور الديمقراطي و التحديث السياسي و فاعلية النظام السياسي الذي يُعدّ انعكاساً للنظام الحزبي السائد في الدولة. و المادة الخامسة من قانون الأحزاب السياسية المصري رقم(40) لسنة 1977 وذلك في الفقرة (5) منها بان تكون تشكيلات الحزب واختيار قياداته و أجهزته القيادية و مباشرته لنشاطه و تنظيم علاقاته بأعضاءه على أساس ديمقراطي و ذلك بنصها “…..خامسا:طريقة و إجراءات تشكيلات الحزب و اختيار قياداته و أجهزته القيادية و مباشرته لنشاطاته و تنظيم علاقته بأعضاءه على أساس ديمقراطي و تحديد الاختصاصات السياسية والتنظيمية و المالية و الإدارية لأي هذه القيادات و التشكيلات مع كفالة أوسع مدى للمناقشة الديمقراطية داخل هذه التشكيلات “. هذا وأن الديمقراطية الحزبية تستلزم أن يكون الفوز داخل الحزب بمناصبه المختلفة مرتبطاً بإرادة أعضاءه الحرة الواعية , والمادة المذكورة لا تكفل الحرية الحزبية لفئة بذاتها داخل الحزب الواحد ولا تقرر أفضلية لبعض أعضاءه على بعض في أي شأن يتعلق بممارسه ولا تفرض سيطرة لجماعة من بينهم على غيرهم لضمان أن يبقى العمل الوطني قوميا و جماعيا في واحد من أدق مجالاته و أكثرها خطرا. وللأحزاب السياسية دور مهم في صنع السياسة العامة و تأطيرها، حيث تُعد إحدى قنوات المشاركة السياسية للمواطن، و كذلك إحدى قنوات الاتصال السياسي المنظّم في المجتمع، إذْ يعدّها علماء السياسة، الركيزة القوية و المنظمة للربط بين القمة و القاعدة و كمحطة اتصال لازمة بين المواطنين و السلطة.
وهنا لا بد من التأكيد على أنه إذا كانت الديمقراطيات الغربية لم تتأسس (لم تأخذ البعد المؤسساتي) إلاّ بعد الثورات التي عاشتها الدول الغربية (بدءاً بالثورة الإنكليزية سنة 1688 مروراً بالثورة الأمريكية سنة 1765 وصولاً إلى الثورة الفرنسية سنة1789 ( والتي أرخت للصراعات الاجتماعية الطبقية، وجعلت الدولة في هذه الأقطار تتحول من دولة الأمير إلى دولة المؤسسات مع ضمان الحريات العامة والخاصة، فإن الديمقراطية الحديثة على العكس من ذلك تتميز بقدرتها على استيعاب التحولات السلمية. غير أنه إذا سلمنا بحتمية التغيير السلمي فإنما يجب التسليم به أيضا هو أن أي نظام يصبو إلى الديمقراطية مجبر على احترام المعايير والمبادئ . ومن القضايا الرئيسة لضمان الديمقراطية الداخلية الحزبية هي عملية من يقرر في الاحزاب ، والكيفية التي يتأهل بها المواطنين لخوض الانتخابات البرلمانية كمرشحين عن الحزب المعني .
وفيما اذا كانت مثل عمليات التسمية هذه تبدوا ديمقراطية من عدمه ، فذلك يعتمد على درجة المركزية ، اي كم من السلطة تُعطى الى الهيئات الاقليمية والمحلية وللمقاطعات والمحافظات في عملية الاختيار. وتؤخذ درجة المشاركة في عملية التسمية بالاعتبار ,فكلما ازداد عدد المشاركين في الاختيار ، كلما ازدادات ديمقراطية العملية. ويعد نطاق صنع القرار وعدد المرشحين المتنافسين للتسمية مهم أيضاً. وأي تحول يراد به أن يكون ديمقراطيا لا بد له من الأخذ بعين الاعتبار هذه المقاييس فالتحول الديمقراطي إذن يتأسس على حقيقة الاعتراف بفشل العنف في فرض الشرعية والاستيلاء على السلطة وهي حقيقة بارزة اليوم في أكثر من بلد، ففي التجارب السياسية الحديثة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية فشل الاحتكام إلى القوة.