متى تفهم ؟

د . صباح ايليا القس

خاضت الشعوب العربية نضالات متعددة على جبهات كثيرة لا سيما بعد الحرب العالمية الثانية التي فتحت عيون المستعمرين على ما تشتمل عليه المنطقة العربية من ثروات فوق الارض وتحت الارض اذ أدركوا بعد دراسات وبحوث ان المنطقة العربية برمتها ولا سيما نفطها هي المخزون الاكبر في العالم فضلا عن ثروات اخرى لا تقل اهمية عن النفط لذلك سعت الدول الاوربية وامريكا الى الاستيلاء على مقدرات هذه الشعوب ابتداء من الحرب العالمية الاولى ولاحقا الحرب العالمية الثانية حيث تقاسم الاوربيون العالم ولا سيما الشرق العربي وسيطروا على الثروات بسبب تراخي وخمول وعبودية وعمالة بعض الفاسدين من حكام الدول العربية في حينها ..

لكن الشعوب العربية الناهضة لم تسكت لا سيما بعد الوعي الذي احدثته الثورة الروسية وتصدير الثورة العمالية الى العالم بل ودعم اي ثورة تحررية غايتها الخلاص من الاستعمار والاقطاع حين سيطر الاغراب والعملاء على الخزائن والكنوز وعاثوا في الارض فسادا بحيث لم تبق للعرب ولا للمكونات الاخرى قيمة اعتبارية ولم يعد يحسب حساب للقوميات والاديان بل ان الجميع تهدر كرامتهم ويساقون كالعبيد وهم أسياد بلادهم .

لذلك سعت الشعوب الى التحرر والخلاص من الاغراب على الرغم من ادعائهم الديمقراطية وحرية الانسان والمساعدة في البناء والاعمار والتطوير لكن معاينة ميدانية واسترجاع للتاريخ تتوضح صورة الفساد والظلم والقهر فكان لا بد أن تأخذ القيادات الشابة مسؤوليتها الانسانية فكانت ثورة 1952 المصرية بداية طيبة لتحفيز المناضلين الاخرين في الدول الاخرى للثورة على المستعمر مع تقديم الدعم اللازم ..

في قصيدته ( الحب والبترول ) التي لا يعرفها الا القليل من الادباء والدارسين والباحثين يكشف نزار قباني المعروف بقصائد الغزل زيف الاقطاع وخداع المتسلطين من خدام الاستعمار بل ويفضح المستور ويكشف النقاب عن تجارة النفط وسعي الشركات الاجنبية للحصول على امتيازات طويلة الامد ..

يقول على لسان امرأة شريفة :

متـــى تفهــم ؟ متـــى يـــا سيـــدي تفهـــم ؟

بأني لست واحدة كغيري من صديقاتــك .. ولا فتحا نسائيا من فتوحاتـــك

متــــى تفهم ؟ أيا جملا من الصحراء لم يُلجـــمْ .. بأني لن اكون رمـــادا في سيجارتك ..

ونهداً فوق مرمره تسجل شكل بصماتــك ..

هذا القول يخاطب به الشاعر نزار قباني المستعمر الاجنبي ممثلا بهذه الشخصية ذات الملامح الواضحة التي شخصتها القصيدة ..

لكنه في الجانب الاخر لم يغفل مخاطبة اولياء الامر من القادة والسياسيين الذين ارتضوا الذل والعبودية وطاعة الاجنبي المحتل فيقول الشاعر في خطاب الاذلاء :

متــى تفهم ؟

بانك لن تخدرني بجاهك او اماراتك

وبالبترول يعبق من عباءاتك

وبالعربات تطرحها على قدمي اميراتك بلا عدد .. فأين ظهور ناقاتك .

هذا المقطع لوحده يعد تحديا للسلطة وصرخة واضحة المعالم لانهاض الساكنين الطائعين وتهديدا لكل الفاسدين وتحفيزا للمناضلين من اصحاب الفكر والجهاد من الادباء والمفكرين والعمال للنهوض واستعادة المنهوب من البلاد والعباد وطرد العابثين من السياسيين الفاسدين يقول نزار قباني :

متى يا أيها المتخم .. متــى تفهم ؟

إن كرامتي أكرم من الذهب المكدس بين راحاتك .

وان مناخ افكاري بعيد عن مناخاتك .

أيا من فرّخ الاقطاع في ذرات ذراتك ..

لا أظن ان هناك اهانة اكبر من هذا تقال لاولئك القادة .. انه هناك حيث يهتز الواقع الاجتماعي للتوحد في القول والفعل الثوري الذي بوساطته سيتحرر الشعب ويزاح الاستعمار ..

فعلا انها قصيدة كان وما يزال لها صدى في النفوس الاصيلة .

قد يعجبك ايضا