عبد الرحيم المحمود
ازداد الحديث في الآونة الاخيرة حول زيارة الدكتور عبدالحكيم بشار مع وفد من الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الى عفرين، وقد انتشر الخبر على الصفحات الزرقاء والمواقع ذات الصلة؛ نظرًا لأهمية هذا الحدث من النواحي السياسية والأمنية والاجتماعية والقانونية، فمنهم مَن وصف هذه الزيارة على أنها خطوة في الطريق الصحيح، وخاصة إذا ما تم استثمارها بالشكل المطلوب بحيث تنصبّ لمصلحة أهلنا وشعبنا في عفرين. آخرون وصفوها على أنّها عمالة للدولة التركية وتعزيز وجودها كمحتلّ في مناطقنا، والذين ذهبوا الى هذا التصوّر إمّا أن يكون عن جهل، أو بسبب تبعيّتهم لبعض الجهات المعادية للمجلس ومشروعه القومي.
إذا ما ذهبنا إلى قراءة وتحليل هذه النظرة الأخيرة ومدى صوابيّتها من عدمه من الناحية السياسية والقانونية، فكما نعلم جميعًا أنّ السياسة هي لعبة المصالح من خلال فهم صحيح لواقع الحال وظرفه، واستغلاله لكسب الممكن، فليس من المنطق أن يغادر الشعب أرضه وبلده مجرّد أنّه قد تم احتلاله من قبل العدو؛ لأنّه على هذا المبدأ يجب على الشعب الكوردي برمّته أن يترك الوطن ويغادر كوردستان بجميع أجزائه، كونه محتلًّا من قبل الأنظمة الغاصبة، والانتقال الى كوكب آخر لاستئناف نضاله من أجل إحقاق حقوقه وتحرير الوطن، وبعكس ذلك فإنّ الصمود والتشبّث بالأرض هو النضال الحقيقي وتأكيد على الانتماء والوفاء للوطن، وهذا المبدأ يعتبر القلعة الحصينة بوجه الأعداء والسلاح القوي والمرعب في وجهه، والتاريخ أثبت عبر العصور والمراحل الماضية أن أي شعب يترك وطنه للمحتل تنقطع أوصاله عن الوطن مع مرور الزمن، وبالمقابل يتجذّر المحتل ويصبح التغيير الديمغرافي واقعًا مفروضًا على الجميع، وبالتالي تفرغ أهداف العمل النضالي من مضمونها الصحيح وهو إحقاق الحقوق؛ فمن حق تقرير المصير لشعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية حسب العهود والمواثيق الدولية، إلى المطالبة بحق العودة إلى الوطن.. وشتّان ما بينهما! وبالتالي أصحاب هذه النظرة ليسوا إلّا أدوات بيد هذه الأنظمة، ويريدون تضليل الشعب بأسلوب ديماغوجي وتحت شعارات طوباوية، كي يستقرّ هذا المحتل وينفّذ أجنداته بسلام وأمان دون مقاومة بأيّ شكل من الأشكال.
بناءً على ما سبق، إن الخطأ الكبير الذي ارتكبه المجلس الوطني الكوردي هو إغلاق مكاتبه في عفرين، وانسحابه منها عقب الاجتياح التركي ومرتزقته لهذه المنطقة ـ عروسة كوردستان سورياـ فكان من المفروض أن يتجذّر هناك ليكون درعًا لأبناء شعبه وحصنًا منيعًا لممتلكاتهم ومتابعًا لكل شؤونهم، وهذا واجب كلّ تنظيم يجد في نفسه ممثّلًا لشعبه وساعيًا لتحقيق أهدافه وطموحاته؛ لأنّ واقع الحال قد فُرض عليه نتيجة مشروع ممنهَج من قبل بعض التنظيمات المحلية والأنظمة الإقليمية المعادية للشعب الكوردي ووجوده.
انطلاقا من هذا المبدأ، يتطلّب من المجلس الوطني الكوردي أن يكون حاضرًا على أرضه وبين أبناء شعبه، ليعيش معاناتهم عن قرب، وليكون صوتهم الذي يخاطب المجتمع الدولي والجهات ذات الصلة بحقوق الانسان؛ لمواجهة الانتهاكات التي يتعرض لها أبناؤنا هناك. وهذا ما لمسناه من زيارة الدكتور عبدالحكيم بشار، نائب رئيس الائتلاف، عندما طلب من المجالس المحلية توثيق جميع الانتهاكات ورفع جميع مطالب أبناء المنطقة الى مندوبي المجلس في الائتلاف، لتتم معالجتها مع الجهات المعنية. وإنّ اجتماعه مع أعضاء المجالس المحلية ووجهاء المنطقة وبجانبه علم كوردستان وعلم الثورة ما هو إلّا رسالة الى كلّ متابع أنّ هوية هذه المنطقة هوية كوردستانية في سوريا، كما أنّ زيارته الى منزل عائلة شهداء شعلة نوروز تعبيرٌ عن تنديد بهذه الجريمة النكراء وتأكيدٌ على ملاحقة مرتكبيها ومحاسبتهم. ناهيك عن زيارته الى مؤسسة البارزاني الخيرية الحاضرة دائمًا في الزمان والمكان الذي يتطلّب وجودها لخدمة الانسانية بشكل عام وأبناء كوردستان بشكل خاص.
من الملاحَظ أنّه وبعد هذه الزيارة وفتح مكاتب المجلس في عفرين ومناطقها بدأت عملية عودة أهالي عفرين الى ديارهم بأعداد هائلة، رغم وجود هؤلاء المرتزقة واستمرارهم في الانتهاكات، وهذا يتطلّب من المجلس الوطني الكوردي بجميع هيئاته ومؤسساته ولجانه بذل كل الجهود والإمكانيات لوضع استراتيجية مبنية على أسس علمية، والعمل عليها بشكل صحيح على جميع الصعد كي تعود عروسة كوردستان الى حضن الوطن. ولا يمكن أن يُكتَب لهذه الاستراتيجية النجاح إلّا إذا ما تكلّل بتمكين المجلس وأحزابه تنظيميًا من ناحية، وتحقيق وحدة الصف الكوردي الضامن الوحيد لالتفاف الجماهير حول حركته السياسية التي تعتبر أكبر عامل قوة، والذي لا ينكسر ولا يُهزم من ناحية أخرى.