(مقتبس من كتاب نشأت وعلاقة الحزب الديمقراطي الكوردستاني مع الحكومات والأحزاب السياسية العراقية للفترة من 1946 لغاية 2003 تأليف د. اركان حمه امين رشيد الزرداوي)
لا يخفى على احد بعد انهيار جمهورية كوردستان في مهاباد اثر مؤامرة مشتركة شاركت فيها كل من بريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق والنظام الشاهنشاهي في ايران، خيم الاحباط واليأس على جميع اجزاء كوردستان وكان لابد من تنظيم الجماهير من جديد عبر تأسيس حزب سياسي يعيد الثقة بالجماهير الكوردية وخلق ظروف جديدة لأستمرار النضال وعدم الرضوخ للواقع الجديد لذلك كانت هناك جمة اسباب لبزوغ شمس ميلاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
واهم الاسباب التي ساهمت في نشوء الحزب عديدة اهمها:
اولا: القهر والتهميش المستمر. حيث وجد الشعب الكوردي القهر والتهميش من قبل الحكومات المتعاقبة، حيث وجد نفسه في نضال مستميت من اجل اقرار حقوقه القومية والديمقراطية وعلى الرغم من النكسات التي اصابت الحركة الكوردية جراء اندحار عسكري او نتيجة فشل سياسي ادى الى ركود الحركة عدة اشهر او بضع سنوات، الا انه لم يتخلى عن نضاله في سبيل حصوله على حقوقه الثقافية والاجتماعية والسياسية من خلال رفع المذكرات والرسائل المفتوحة وتنظيم التظاهرات والنضال السري ونشر البيانات وصولا الى حمل السلاح وممارسة العنف الثوري. (1)
ثانيا: الاضطهاد القومي: حيث عانى الشعب الكوردي بعد تأسيس الدولة العراقية من اضطهاد قومي من جانب السلطة التي استقدمت العروبية المتشددة التي رسمت لها السياسات الداخلية والخارجية، ففي الوقت الذي سعى الانكليز الى توثيق الحقوق الكوردية عبر بيان مشترك مع الحكومة العراقية الخاضعة للانتداب البريطاني والتي نصت على (تتفق حكومة جلالة المملكة البريطانية والحكومة العراقية على ضرورة اعطاء الحقوق القومية للكورد) الا ان هذه الوعود قد ظلت طي الكتمان بعد ما عرف بمشكلة الموصل بتاريخ 16/1/1924. (2)

وازاء تلك السياسات لجأت القوى السياسية الوطنية الكوردية الى تعبئة الجماهير الكوردية بالوسائل النضالية المتاحة من اجل التصدي لتلك السياسات والمخططات التي استهدفت وجوده وتطلعاته وقصدت صهره في بودقة القومية العربية.
وقد ظهرت على مسرح النضال التحرري الكوردي العديد من الاحزاب والتجمعات والمنظمات التي لعبت دورا نضاليا وكفاحيا ومنها (كومه له ي داركه ر). (3) والمعلومات المتوفرة لدى الباحث عن هذه المنظمة انها تشكلت في شهر ايلول عام 1937 والتي ضمت عددا من الطلاب الكورد في الثانوية المركزية بكركوك في دار تعود الى شاكر بك جلالي في منطقة (به كله ر) القريبة من منطقة (قورية)، وبعد ان اصبحت تضم عددا كبيرا من المثقفون الكورد ومنهم صالح اليوسفي* وتوفيق وردي وكريم زند ومكرم الطالباني ورفيق حلمي. حيث اصبحت هذه المنظمة فيما بعد بحزب اطلق عليه حزب (هيوا) وتعني (الامل) وانتخب رفيق حلمي امينا عاما له، ويعتبر هذا اول حزب قومي كوردي يطالب بحقوق الشعب الكوردي بالطرق السياسية، وكان بالمقابل هنالك انتفاضات في كوردستان العراق، ومنها انتفاضة الشيخ محمود الحفيد. الا ان هذا الحزب لم يدم طويلا بسبب وجود تياران يقودانه، الاول يتأمل من الانكليز حصول الشعب الكوردي على حقوقه عن طريقه والثاني يطالب بمحاربة الانكليز لانهم سبب مأساة الشعب الكوردي، وهذا بطبيعة الحال ادى الى حصول انشقاقات عديدة ادت في النهاية الى اضمحلاله عام 1945.
وقد وقف هذا الحزب مع انتفاضة عام 1943- 1945 وقدم لها كافة المساعدات الممكنة حيث قام بتجميع الاموال لمساندة الانتفاضة واصدار البيانات التي تندد بالسلطة بل واكثر من ذلك شارك بعض من اعضاءه هذه الانتفاضة. وقام باتصالات مع الاحزاب الوطنية والتنسيق معها من اجل انجاح الانتفاضة، الا ان الانتفاضة لم تدم طويلا.(4)
الا ان هذا الحزب انقسم الى اربعة اقسام مختلفة بسبب الافكار التي يحملونها وهي: (5)
1-جماعة شورش اي (الثورة) التي ضمت ما يقارب (500) عضوا واصبحوا جزءا من الحزب الشيوعي العراقي/ جناح كوردستان العراق.
2-جماعة روزكاري التي ضمت من (5000 الى 6000) عضوا والذين اصبحوا فيما بعد نواة الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
3-جماعة المستقلين/ والتي ضمت نافع يونس ونوري شاويس وجعفر محمد كريم ورشيد باجلان.
4-حزب رزكاري كورد/ والتي ضمت جماعة صالح الحيدري.
وعلينا ان لا ننسى الذين جندهم الانكليز في داخل هذا الحزب لبث الانقسامات فيه ومعرفة ما يخطط له وبالفعل اصبح هذا الحزب عام 1943 ضعيفا ومنحلا.
لذلك كان لابد من تأسيس حزب يمثل كافة ابناء الشعب الكوردي ليطالب بحقوقه. وكانت هذه الفكرة تراود الملا مصطفى البارزاني، الذي كان في ايران مع القاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد عام 1945 في كوردستان ايران. ولهذا بدأ الملا مصطفى البارزاني اتصالاته بجميع الشخصيات السياسية الكوردية التي لها تأثير ونفوذ في الاوساط الكوردية من اجل انشاء حزب يقود الشعب الكوردي في العراق نحو تحقيق اهدافه اسوة بايران. (6)
وكان يتردد على ايران حمزه عبد الله القيادي في حزب شورش ويقوم بالتنسيق ما بين الملا مصطفى البارزاني وبين قيادات حزب شورش والاحزاب الاخرى، وكانت تفاصيل فكرة انشاء حزب طليعي ديمقراطي في كوردستان العراق على غرار ما تم في كوردستان ايران وقد انيطت الفكرة الى حمزة عبد الله وعلى ان يتحدث بأسم الملا مصطفى خلال لقاءاته مع القيادات الكوردية في العراق. وقد تم تأسيس هيئة مؤسسة للحزب برئاسة الملا مصطفى البارزاني وعضوية كل من (حمزة عبد الله ومير حاج احمد ونوري احمد طه ومصطفى خوشناو ومحمد قدسي وخير الله عبد الكريم).(7)

وكذلك توجه حمزه عبد الله الى محافظة السليمانية والتقى مع ابراهيم احمد الذي كان رئيس فرع الحزب الديمقراطي الكوردستاني الايراني في العراق واتفقوا على كافة الترتيبات لتأسيس الحزب وبعدها ذهب الى ايران لشرح ما توصل اليه مع القادة الكورد في بغداد والسليمانية وفي ربيع عام 1946 عاد حمزه عبدالله الى كوردستان حاملا معه تخويلا من الهيئة التأسيسية للحزب لاجراء مفاوضات مرة ثانية مع حزبي شورش ورزكاري لتوفير الظروف لانشاء الحزب الجديد.(8)
وقد حمل معه افكارا واراء وبرامج الحزب الجديد وكانت مقاربة لما موجود في ايران وكانت ضمن الاقتراحات تعيين الشيخ لطيف محمود الحفيد نائبا اول لرئيس الحزب وتعيين الشيخ كاكا زياد اغا نائبا ثاني لرئيس الحزب. الا انه ظهرت خلافات من قبل بعض قيادات حزب شورش حول النائبين باعتبارهم من اصحاب الاملاك والاقطاعيين وعلى الحزب ان يضم عناصر ثورية مخلصة مما ادى الى انشقاق بعض قياداته وانظمامهم الى الحزب الشيوعي العراقي وهم كل من (9)
1-صالح الحيدري.
2-حامد عثمان.
3-جمال الحيدري.
4-نافع يونس.
واخرون.
اما بقية كوادر الحزب فقد انظموا الى فكرة انشاء حزب ديمقراطي قومي كوردي، بينما غالبية حزب روزكاري انظموا الى الحزب الجديد، وعلى الرغم من انشقاق هذه المجموعة وعدم مشاركتها في المؤتمر التأسيسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني الا ان المؤتمر انعقد بتاريخ 16/8/ 1946 بدار سعيد فهمي ببغداد وحضره ما يقارب (70) مندوبا يمثلون احزاب (شورش وروزكاري وبقايا حزب هيوا وكذلك حضره ابراهيم احمد بصفة مندوب عن (الحزب الديمقراطي الكوردستاني-ايران) وقد دعى الحزب الى تأسيس جمهورية ديمقراطية شعبية في العراق والتمتع الشعب الكوردي بالحكم الذاتي فيه ضمن الجمهورية العراقية، وكذلك دعى الى مكافحة الاستعمار والرجعية وحصول العراق على الاستقلال التام واقامة نظام برلماني، وكذلك دعى الى الغاء النظام الاقطاعي وتوزيع الاراضي على الفلاحين.(10)

وقد مارس الحزب نشاطه السياسي بصورة سرية شأنه شأن الاحزاب العراقية الوطنية المعارضة الاخرى. وعلى الرغم من ان وزارة توفيق السويدي التي تشكلت في 27/2/1946 قد اذنت بالعمل السياسي العلني لخمسة احزاب الا انها لم تسمح للحزب الديمقراطي الكوردستاني بالعمل السياسي العلني ظنا منها ان هذا الحزب سينغلق على القومية الكوردية فقط.(11)
وكانت نظرت الحكومات العراقية المتعاقبة للسلطة لها نظرة في هذه المسألة تختلف على ما ينظر اليه الكورد والاقليات الاخرى، ويعود ذلك الى ان العراق دولة فتية ارادت هذه الحكومات ان تنصهر جميع القوميات الصغيرة بالقومية العربية ويصبح عراقا موحدا ويعود ذلك الى عدم تأسيس دولة في العراق منذ مدة طويلة كون العراق كان مستعمرا من قبل الاتراك والفرس.(12)
لكن الكورد لم يحصلوا على مبتغاهم وهو حقوقهم الثقافية والاجتماعية في تلك الفترة وكذلك لم تستطع الحكومات المتعاقبة حل هذه المشكلة وكذلك لا يوجد دستور دائم يجمع العراقيين بنظام ديمقراطي مرن. وعندما ارتبطت ولاية الموصل بالدولة العراقية عام 1924 وصوت الكورد بأنهم مع الدولة العراقية اعلن الملك فيصل الاول (ان العراق يتكون من قوميتين رئيستين وللكورد حقوقا علينا وبعد ان اصبحت كوردستان العراق ضمن الدولة العراقية فأن اول ما قامت به الحكومة هي الاحكام العرفية في مناطق زاخو ومزوري وبارزان وميركه سور وسنجار والسليمانية واربيل وغيرها ضمن فترات مختلفة مما اثارت هذه التصرفات امتعاض الكورد وكانت هذه الاسباب وغيرها ملحة لانشاء حزب قومي كوردي يدافع عن حقوق الشعب الكوردي والتي اوجدت الحزب الديمقراطي الكوردستاني (13)
الهوامش:
1-رفيق صالح احمد-كتابات في المسألة الكوردية_ السليمانية- شفان 2008- ص71.
2-جرجيس فتح الله –القضية الكوردية- اربيل- اراس 2002- ص118.
3-المصدر نفسه-ص119.
*صالح اليوسفي: هو صالح عبدالله نجم الدين ملا طه اليوسفي ولد عام 1918 في قضاء العمادية، وبعد ان اكمل الدراسة الابتدائية انتقل الى بغداد وتخرج من كلية دار العلوم. قسم الشريعة عام 1943 وهو من اعضاء حزب هيوا ومن ثم الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
وعين وزير دولة بعد اتفاق اذار 1970 واغتيل في داره في بغداد في ظروف غامضة.
4-علي سنجاري-الحزب الديمقراطي في ستون عام من النضال- صحفية التآخي- العدد 4838- في 26/8/2006.
5-عبد الرحمن كريم درويش- الفكر السياسي للاحزاب السياسية الكوردستانية في العراق- رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة بغداد/ كلية العلوم السياسية- بغداد 2009 وهي غير منشوره –ص66.
6-شيركو فتح الله- حركة التحرر القومي الكوردية في العراق- السليمانية- رون 2004- ص107 .
7-ناهض حسن جابر الراوي- مفهوم السلطة في فكر الاحزاب السياسية الكوردية العراقية المعاصرة، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة بغداد/ كلية العلوم السياسية 2006 وهي غير منشورة.
8-شيركو فتح الله- المصدر السابق- ص109.
9-راهي مزهر العامري- مسعود محمد ودوره السياسي في العراق- بغداد-دار الحواء 2008- ص66.
10-حبيب محمد كريم- المصدر السابق- ص136.
11-راهي مزهر العامري- المصدر السابق- ص62.
12-عبد الامير الركابي –المسألة الكردية في منظور مخالف- بغداد- مطبعة ثائر العصامي 2011- ص61.
13-شورش حسن عمر- حقوق الشعب الكوردي في الدستاتير العراقية- السليمانية- مركز كوردستان للدراسات الاستراتيجية 2005 –ص146.