د . صباح ايليا القس
أحدث ظهور المتنبي في العصر العباسي ثورة في عالم الشعر لما اشتمل عليه من تجديد وتحديث في الشعرية العربية وهو الذي حركها من نظرية التقليد والتكرار الى نظرية الابداع والخلق والابتكار الذي سيطول كسر الجمود والرتابة في التعاطي مع الموضوعات الشعرية التي بعثت الملل والضجر في عصر يميل الى التجديد الذي طال مفردات الحياة العباسية بعد استقرارها ونهضتها العمرانية والمعيشية والادبية والعلمية .. فالسكون ودوام الحال لمدة طويلة تعني ترافق الموت مع الحياة فالناس حينها موتى وهم أحياء لانهم يكررون ما تناوله الاقدمون ناسين او متناسين ان كل جيل يجب ان يعيش مفرداته المعاصرة بعيدا عما عاشه الاقدمون بغض النظر عن الثوابت الاخلاقية .
نحن نتحدث عن الابداع في زمن المتنبي ذلك الذي خلخل ما كان معروفا في الصياغات الشعرية التقليدية ليس في شكل القصيدة الملتزم بالوزن والقافية بل في المضامين واللغة والتجديد والتطوير ذلك الذي جلب اليه الانظار وجعله شاعر الشعراء الى يومنا هذا ..
يقول المتنبي :
ومـــا الدهـــر إلا مــن رواة قصائــــــدي اذا قلـــت شعـــــرا أصبــــح الدهـــر منشــــدا
هذا البيت هو واحد من مجمل العطاء الشعري للمتنبي وفيه يعلن عبقريته وانطلاقه من خرافة التقليد الى اصالة الابداع التي تجلت في ان يكون الدهر برمته بشرا وصخرا برَّا وبحرا هم موظفون عنده ليس لهم من عمل سوى ترديد قصائده وهذا هو الفخر الذاتي في أبهى صوره وإن كان يحمل صفة الانانية الطاغية ولكنها انانية مقبولة ومطلوبة اذا كانت تعطي هذا التدفق الابداعي اللامع فاذا جاء الشطر الثاني نجده مؤيدا ومؤكدا ما جاء في الشطر الاول فاذا كان الدهر منشدا في الشطر الاول فهو يعطيه تجسيدا في الشطر الثاني لكي ينشد ويردد ما يقوله الشاعر .
ولا بد من متابعة معنى الدهر الذي يخاطبه المتنبي فهو يقصد الجامد من الحياة ؟ فاذا كان جامدا فكيف له ان ينشد ويغني ؟ والجواب حتما سيكون انه يريد الحياة الدافقة بالحركة والنشاط التي تتوافق مع تجدد الروح الانسانية برمتها لان الحياة لا تعرف السكون والثبات الذي يعني التوقف والموت بل هو يريد النشاط والأنطلاق في مجريات الحياة وتطورها بحيث تتجدد كما تتجدد اوراق الشجر مثلما تتطور البشرية ممثلة بالناس الذين يسعون في مناكبها والسعي هنا لا يعني الحياة الجامدة التي اساسها الطعام والشراب بل تعني النشاط العقلي الذي سيفرض ارادته على مجمل الفعاليات الانسانية اذ لكل عصر ما يتوافق مع حركة الحياة المتجددة دوما ..
لا بد من الاشارة الى ان الحياة تشتمل على صنفين من البشر ناس تريد التجديد وآخرون يصرون على التقليد لكن مهما حاول أهل التقليد الثبات على قوالبهم فان الدماء الشابة الجديدة ستدفعهم لاحقا الى زوايا النسيان ويأخذ الشباب دورهم في التجديد والعطاء لذلك يقول المتنبي عن شعره الذي سيقبله المجددون ويعانده المقلدون :
فســـــار بــــه مـــن لا يسيـــر مشمّــــرا وغنّــــى بـــه مـــن لا يغنــــي مغــــــرِّدا
ومعنى هذا ان التجديد سيفرض نفسه بحسب نظرية الحتمية التاريخية ولهذا فان هذا الشعر الجديد والمتجدد ستنقله القوافل السائرة شرقا وغربا وطالما ان الشعر غناء فان من لا يصلح صوته للغناء سيجتهد ان يغني مثل هذه القصائد ويحاول جهد الامكان تطوير قابلياته لاستيعاب الملامح الشعرية الجديدة .