معد فياض
مثلما كل المبادرات والانشطة والبرامج والمؤتمرات الثقافية والسياسية والاقتصادية والفكرية التي اقيمت في عاصمة اقليم كوردستان، ونجحت، بل تفوقت بنجاحها على سواها في اية مدينة عراقية، جاء معرض اربيل الدولي للكتاب بنسخته الـ 15، والذي كان قد افتتحه الرئيس مسعود بارزاني في الثامن من شهر آذار الحالي، ليتوج هذه النجاحات ليس بدقة تنظيمه وعدد دور النشر العربية والكوردية والفارسية والتركية والغربية، التي شاركت فيه وعرضت اكثر من مليون عنوان، فحسب، بل بجمهوره الذي عبر عن رقيه ووعيه الحضاري باهمية الكتاب والقراءة ومتابعة الندوات التي رافقت المعرض حيث زاد عددها على الـ 80 ندوة في مختلف الاختصاصات المعرفية والفلسفية والادبية والفنية والتقنية.
معرض اربيل الدولي للكتاب الذي نظمته، بنجاح مبهر، مؤسسة المدى للثقافة والنشر تحت شعار”حاضر وحضارة”، اي حاضر اربيل المشرق والمزدهر، وحضارتها المتألقة، التي تمتد لاكثر من خمسة الاف عام، قال بالحرف الواضح والعريض بان اربيل مثلما هي عاصمة للتاريخ والحاضر والمستقبل وللجمال والتعايش السلمي بين كل تفاصيل الفسيفساء القومية والدينية للعراقيين، هي كذلك عاصمة للفن والثقافة وللكتاب العربي والكوردي والاجنبي، وانها مدينة استحقت وتستحق ان تكون في واجهة خرائط الدنيا باعتبارها مدينة للحياة والعيش الكريم والاستقرار الآمن.
لنتحدث هنا، اولا، عن جمهور معرض اربيل الدولي للكتاب، وهم فيتامينات الحدث الثقافي المهم، حضور الجمهور الذي دشنه الرئيس مسعود بارزاني بافتتاحه للمعرض اعطى الحدث زخم ثقافي متميز، علما ان كل معارض اربيل للكتاب، السابقة، التي اقامتها مؤسسة االمدى كان الرئيس بارزاني الحاضر الاول فيها وهو من يدشنها، وفي ذلك رسالة لافتة الى الجمهور عن اهمية الكتاب والقراءة، ذلك ان يضحي زعيم اكبر واهم حزب سياسي عراقي، الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وفي حمأة مشاغله السياسية ومشاغل اقليم كوردستان مع الحكومة الاتحادية وما يمر به الاقليم خاصة من سجالات داخلية وخارجية، ومع برنامجه، الرئيس بارزاني، في استقبال ولقاء كبار المسؤولين في الحكومة الاتحادية او الغربيين للتحاور حول الوضع العراقي عامة والكوردستاني خاصة ليضع النقاط على الحروف بحل عقد الاشكالات السياسية، يمنح هذا الزعيم الحكيم جزء كبير من وقته الثمين للحضور الى معرض الكتاب وافتتاحه، وليس في ذلك خطوة اعلامية فالرئيس بارزاني لا يحتاج الى اعلام وهو يبتعد عنه قدر ما يستطيع، بل هذه رسالة، مثلما ذكرت آنفا، للعالم وللعراقيين عامة وللكوردستانيين خاصة باهمية هذا الحدث الحضاري، حيث ان يأتي اكثر من 350 ناشر من جميع انحاء العالم، متكبدين مصاعب السفر ونقل اكثر من مليون كتاب ليعرضوا عصارة نتاج دورهم من الكتب في اربيل حدث حضاري عميق في اهميته، رسالة وجهها ويوجهها الرئيس مسعود بارزاني مفادها بان الثقافة اهم من السياسة، وان اقامة معرض دولي للكتاب في عاصمة اقليم كوردستان هو اهم من اي حدث سياسي عابر، وان الشعب المثقف هو من يستحق الحياة الكريمة.
ما ان تم افتتاح معرض اربيل الدولي للكتاب بنسخته الـ 15، حتى تدفق الجمهور مثل نهر هادر، نساء ارتدين اجمل ازيائهن وكأنهن ذاهبات الى مهرجان او كرنفال او عيد للفرح، اطفال وفتيان، ومن كلا الجنسين حرصوا على اقتناء ما يناسبهم من عناوين الكتب، رجال في مختلف الاعمار جاءوا من بقية محافظات العراق، اضافة الى جمهور اقليم كوردستان، يتسابقون على دور النشر للحصول على غذائهم المعرفي من الكتب، هذا ما شاهدته وشهدته بنفسي طيلة ايام المعرض، منذ اللحظة االاولى لافتتاحه وحتى ختام اعماله مساء الثامن عشر من آذار الحالي، لم يعرقل حضورهم المطر او الرياح او اية تقلبات في الانواء الجوية ولم يعيقهم ثقل الكتب التي حملوها بحقائب تحمل اسم العرض.
افرز معرض اربيل الدولي للكتاب حقائق مهمة لا بد من ملاحضتها والوقوف عندها وتحقيق ما يمكن تحقيقه في المعارض القادمة، اهمها الحرص على نشر الكتاب الكوردي وترجمة الكتب من اللغات الاخرى الى اللغة الكوردية، وبالعكس، بالرغم من ان المسؤولين عن المعرض اشاروا الى ان دور النشر الكوردية التي شاركت في هذه الدورة هي اكثر منها في الدورات السابقة بما نسبته اكثر من 60%، وهذا مؤشر ايجابي مهم.وان على دور النشر العربية ان تهتم بنشر الكتب باللغة الكوردية، وغالبية من تحاورت معهم من كتاب وناشرين اكدوا على اهمية الترجمة، واعترف اكثر من ناشر عربي، عراقي وغير عراقي، بان الجمهور كان يسال عن كتب عربية بعناوينها ولكنهم يريدونها باللغة الكوردية، وهذه ليست مهمة الناشرين العرب فقط بل هي مهمة الناشرين الكورد والمؤسسات الرسمية الثقافية الكوردية ايضا. تحدثت مع المسؤولين المنظمين للمعرض، مؤسسة المدى، حول ضرورة استخدام قلعة اربيل التاريخية ليقام على ارضها جزء من برامج المعرض، مثل الندوات او معارض تشكيلية او عروض موسيقية، حيث اوضحت غادة العاملي، مدير عام مؤسسة المدى بان ذلك كان من ضمن مخططاتهم لكن ضيق الوقت احال دون هذا ووعدت باقامة مثل هذه البرامج في المعارض القادمة. ومن الامور التي يجب ان نشير اليها بالبنان هي الجانب الامني والتعامل الراقي لرجال الامن في بوابة المعرض، وللمتطوعين الذين وفروا الخدمات اللوجستية للزوار داخل المعرض.
معرض اربيل الدولي للكتاب بنسخته الـ 15 لم ولن يكن حدثا عابرا في ذاكرة الجمهور والمدينة وتاريخها، بل هو حدث حضاري متطور ينضم الى سلسلة الاحداث المهمة كوردستانيا وعراقيا وعربيا، فهذا المعرض اتاح الفرصة امام عدد كبير من الناشرين غير العراقيين لزيارة اربيل واقليم كوردستان للمرة الاولى في حياتهم، وعبروا عن انبهارهم بالانجازات المعمارية وبالاستقرار والامن الذي وفرته حكومة الاقليم للمواطنين والزوار معبرين عن حرصهم على زيارة عاصمة اقليم كوردستان في مناسبات قادمة ومشاركتهم في دورات المعرض المقبلة..شكرا للرئيس مسعود بارزاني، ولحكومة اقليم كوردستان وشكرا لمؤسسة المدى وشكرا لجمهور المعرض ولدور النشر المشاركة.