الدراجة الكوردية .. الواقع وسيرورة التغيير

 

ابراهيم مراد

في خضم محاولة لتغيير واقع اجتماعي لشعب ما، يمكن الارتكاز على تاريخ وسيرورة ذاك الشعب والقاء الضوء على مرّ به في محاولة لفهم طبيعته وتجلياته المعاصرة، والشعب الكوردي حاله حال شعوب الشرق الأوسط الأخرى، لا تمايز له عن الشعوب الأًخرى حيث أنّه تعرّض الى قدرٍ هائل من الإنكار لخصوصيته القومية التي جرت عليه أنواعاً من الظلم في وسطٍ ممزوجٍ بالفوقية القومية والتعصب الديني الذي يجرف معه كل مختلف بكينونته، والحالة هذه تتبدى بشكل واسع في كوردستان العراق ذلك الجزء المحلق قسراً بوطن جرّ عليه الكوارث فمن عمليات الأنفال والقصف الكيمياوي إلى تدمير القرى واحراقها عن بكرة أبيها.

هذه الدائرة من العنف المفرط تجاه الشعب الكردي جعله في حالة من عدم الاستقرار وانعدام الثقة بالآخر، هذه التراجيديا المأساوية وما نتج عنها من جملة من العلاقات الاجتماعية المعقدة، هي ما تحاول الكاتبة الأميركية أليسا لايتبورن تصويرها والقاء الضوء عليها في روايتها (الدراجة الكوردية) خاصة التغييرات العميقة التي شهدها اقليم كوردستان العراق بعد سقوط نظام صدام حسين المتخم بالقمع، بعد أن رمت الأقدار الكاتبة في إحدى مدارس النخبة في الاقليم الكوردي. تصف عبر علاقتها بأم وابنتها شعورها بالاغتراب والضياع والقلق.

الرواية أو اليوميات كما تصفها لايتبورن الحاصلة على درجة الماجستير في الكتابة الابداعية تحاول رصد جماليات المجتمع الكوردي وعاداته خلال علاقتها بـ(بزما) الفتاة الجميلة العاشقة والأم (آرا)، الأم المثقلة بهموم الزمن وصعوباته التي تركت في نفسيتها وتجاعيد وجهها أثراً بالغاً.

الدارجة هي أداة الكاتبة في اكتشاف طبيعة وتضاريس إقليم كوردستان عبر التنقل على طرق واصفة الوضع الكوردي المليء بالمزالق، فلا التاريخ ولا الجغرافية ولا شعارات الأخوة الاسلامية انصفته، فالدراجة الكوردية تسير وحيدة بين المئات والآلاف من المنعرجات التي لا تنتهي.

لكن السؤال الأهم الذي يتبادر إلى الذهن هل في مقدور هذه المرأة الخمسينية أن تلم بكل دلالات المجتمع الكوردي وتناقضاته خلال مدة قياسية لا تتجاوز السنة؟

قتيريزا، وهو اسم مدرّسة اللغة الانكليزية التي تقمصتها الكاتبة تدرك أن هذه المهمة بالغة الصعوبة، مع ذلك فهي تدلي بدلوها في محاولة منها لفهم حالة وواقع المجتمع الكوردي المكتظ بالعادات والتقاليد، فتكشف النقاب عن وجه شعب متسامح ودود عاشق للحياة والحرية على الرغم من كم المآسي والمظالم التي ماتزال ماثلة في ذاكرته وترسم لوحة متفائلة بالأمل بمستقبل مشرق مظلل بالتدفق الكبير للنقد الاجنبي عليه، كنتيجة للارتفاع الهائل لأسعار النفط والاستقرار النسبي الذي شهده اقليم كوردستان في وسط الحرب الطائفية التي شهدها العراق إبان تحريره من براثن العقلية العربية الشوفينية.

كذلك تلقي الرواية الضوء على خاصرة رخوة في وسط يجمع بين الريف والمدينة وهي حالة حقوق المرأة التي تنتهكها العقلية الذكورية، فمواضيع القتل بذريعة الشرف، والختان، وقمع المرأة ومصادرة رأيها في اختيار شريك حياتها وتبعاته النفسية على جسد وروح المرأة تجد لها مكاناً واسعاً بين صفحات الرواية. فالمرأة مقيّدة بسلاسل من الأفكار والمعتقدات التي من الصعب الانفكاك عنها حتى أن عدد منهن يلجأن الى حرق أنفسهن ردّاً على تلك العقلية، وهذ حال أخت هيفار التي تضرم النار بجسدها بعد رفض أخيها ارتباطها بحبيبها إيذاناً منها بالتمرد ورفض هذا الواقع.

تسلط تيريزا الضوء على شخصية المدرّس الأميركي (رابينوفيتز) المعقدة والمتشابكة الذي يجد ضالة التطرف في الاسلام ويصبح كالعشبة الضارة في المجتمع فلا زملاءه المدرسين الاميركيين يتقبلونه ولا المجتمع الجديد، فقد اضحى حاقداً ومسيئاً الى كل من حوله.

تصدق نبوءة الروائية في تحليلها للأحداث السياسية حينما تتوقع أن يكون مصير إقليم كوردستان المزيد من العمليات العسكرية من قبل السلطة في بغداد، وهذا ما جرى بالفعل بعد عملية الاستفتاء على استقلال اقليم كوردستان حيث حركت الحكومة قواتها التي كانت تحارب بها (داعش) ضد البيشمركة وهاجموا كوردستان من كل الجهات واغلقوا المطارات وفرضوا الشروط على اقليم كوردستان.

رواية (الدراجة الكوردية) تريد احداث تغيير في العقلية الكوردية عبر التركيز على عملية التعليم والتربية والتأثير على أفراد المجتمع الكوردي عبر سلسلة من الممارسات لتقوم بمساعدة النسوة على بناء أنفسهن أولاً والعمل على تحقيق حياة أفضل.

صدرت الرواية عن منشورات نقش ودار شلير للنشر، وترجمت إلى عدة لغات منها العربية والفارسية والكوردية (بلهجتيها الكرمانجية والسورانية)، أما نسختها العربية فقد ترجمها (عمر رسول) الكوردي السوري الذي أمضى عشر سنوات من حياته في سجون السورية كمعتقل رأي.

قد يعجبك ايضا