حين عدنا من البصرة اطفأ سائق الحافلة النور ليسترح المسافرون من تعب وعناء نهار كامل بين الدخول وساعات الانتظار الطويلة قبل المباراة والاحتفال بعد الفوز , وادار جهاز الراديو على احدى المحطات الاذاعية فصدح صوت كوكب الشرق ام كلثوم وكأنها تبعث للبصرة والبصرين رسالة عبر الاثير خطها بيده الدكتور ابراهيم ناجي ولحنها رياض السنباطي قبل اكثر من نصف قرن .
وقد استوقفتني كلمات الاغنية وابياتها وهي تحاكي مدينة البصرة وخليجي 25 واللقب الرابع حين قالت (يافؤادي لاتسل اين الهوى ) فرددت بيني وبين نفسي ان الهوى على ضفاف شط العرب وبين نخيل ابي الخصيب ..كان صرحاً من خيال فهوى , نعم ان الحظر المفروض على ملاعبنا هوى واطاحت به الملاعب والجماهير العراقية وقد اسقينا الضيوف والجماهير العرب والخليجين من ماء شط العرب وارتووا منه طالما دمع الفرح روى .
وحين تسائلت ام كلثوم (كيف كان الحب امسى خبرا) همستُ في اذن الدكتور ابراهيم ناجي ان الحب بين البصرة والخليج وكرة القدم امسى مبتدأً مرفوعاً بالهمة والعزيمة ومنصوب في قلوب كل من غادر البصرة الى ارضه واهله ,وها انت تعترف بقولك (لست انساك وقد اغريتني بفم عذب المناداة ) وكيف ينسى البصرة وقد اغرته بفم الترحاب وعين غطا وعين فراش و(تعال ياي تعال ياي )
(ياحبيباُ زرته يوماً ايكه طائر الشوق أغني المي ) أي ايك واي طائر يوازي طيور الحب والسلام والنوارس من اطفال وشيوخ وشباب البصرة وهم يفتحون بيوتهم ومضايفهم قبل قلوبهم واذرعهم ؟ وعلى رئيس الفيفا انفانتينو نادت ام كلثوم (اعطني حريتي اطلق يدي ) أطلق يدينا وارفع الحظر عنا وعن ملاعبنا ودعنا نعطي للعالم دروساً في كرة القدم دروساُ لم يتعلمها اللاعبون والجماهير في الاولمبياد والمونديال والاكاديميات دروساً في اكرام الضيف والحضور الجماهيري والايثار وانجاح البطولات ونرتقي بها مهما كانت المستويات الفنية فيها .
(انني اعطيت ماأستبقيت شيئاً ) عذراً كوكب الشرق فالبصريون لم يعطوا سوى نزر يسير من الوفاء لوطنهم ولم يقدموا الا جزء صغير من ولائهم للعراق ورفع رايته ,ولديها الكثير الذي لم تسنح لهم الفرصة الكشف عنه رغم ماتناقلته القنوات الفضائية ومواقع السوشال ميديا , (واثق الخطوة يمشي ملكاً) مشيناها بثقة واصرار وتحدي للاخرين حين وضعوا العراقيل والمطبات امام عجلة المسير وجاءوا بملفات وشروط وطلبات تعجيزية ولكنها نفذت برحابة صدر و(ممنونية ) وقلنا لهم هل من مزيد؟
(أين مني مجلس انت به ) وهل هناك اكثر واوسع من مجالس البصرة , مجالس المضايف والديوانيات ومجالس البرامج الرياضية ومجالس المطاعم والمقاهي التي فتحت لكل القادمين اليها ؟ وهل هناك اكرم من مجالس الموائد التي نحرت فيها الابل والاغنام بكرم خجل َ منه حاتم الطائي واعتذر للبصريين ؟
وقبل ان اغفو واسرح في خيال الايام التي عشناها في البصرة اطلقت السيدة سؤالاً (هل رأى الحب سكارى مثلنا ؟) وهنا ضحكت وقلت لها نعم رأي الحب سكارى وماهم بسكارى ولكن كانوا مخمورين بالفرح والسعادة ويرقصون في كل مكان وزمان , يرقصون قبل المباراة وبعدها ويفرحون بالفوز لفريقهم او للفريق الاخر ويملئون مدرجات الملاعب سوى كانت المباراة عراقية او غير عراقية , و(ضحكنا ضحك طفلين معاً وعدونا فسبقنا ظلنا ) ضحك جميع العائدين معي في الحافلة فقد عَدَونا من دون ظلنا وسبقنا انفسنا وسبقنا الزمن ,وهنا صاح سائق الحافلة (وصلنا الناصرية اكو نازل ).