د . صباح ايليا القس
بعد استقراء عدد من المعاجم وجدت ان اغلبها تكاد تتفق على معنى الشجاعة والاقدام والاندفاع عند ذكر مفردة الحماسة واشتقاقاتها وكلها تصب في الاشتباك الحربي ايام المعارك اذ يظهر الرجال الشجعان بما يشتملون عليه من قدرة واقتدار في المناورة وقيادة الفرس واستعمال السلاح المناسب في الوقت المناسب بينما يتوارى المتخاذلون في الصفوف الخلفية خوفا ورعبا من هول الدماء وغبار المعارك .
والحماسة تعني البطولة ايضا وليس شرطا ان يكون البطل من اصحاب الاجسام الضخمة والعضلات المفتولة فربما يكون البطل ضعيفا هزيلا لكنه يشتمل على قلب شجاع وصمود متميز واندفاع واضح يقول الشاعر :
تــــرى اللحـــــز الشحيـــح فتزدريــــه وفـــي اثوابــــــه أســــــــد هصـــور
بمعنى انك ربما ترى في المعارك رجلا لا يملأ العين حجما وقواما بل هو من الفقراء المعدومين المحتاجين فربما تتجاوزه احتقارا بينما تجد في مقاومته واندفاعه مثل الاسد في الهجوم
والسيطرة .
الحماسة والاستبسال لا تكون الا في الرجال ويندر ان نجدها في النساء لان الحرب والقتال مهمة الرجال وليس كل الرجال بل من هو قادر على القيام بهذه الافعال اذ لا تشمل الاطفال والشيوخ والمقعدين بل لا تشمل العبيد أيضاً ..
والشجاعة تتفرع منها تجاوز الضعفاء من المقاتلين فالفرسان يبحثون عن اقرانهم لمقارعتهم والند للند وحينما نتحدث عن الفرسان فأننا يجب ان نذكر اخلاق الفرسان في حماية المساكين والعقل الراجح حتى في اصعب الظروف والصبر على الشدة واخذ الحذر خشية الغدر ورسم الخطط والالتزام بالغاية وتحريم قتل النساء والاطفال والاعتداء على من هم خارج حدود المعركة ..
ولا بأس من الصفح اذا أظهر الجانب الآخر استسلامه .
يقول الشاعر :
صفحنـــا عـــن بنـــي ذهـــل وقلنـــــا القــــــــوم اخـــــوان
ولا بأس ان يكون الفارس شاعرا فتكون المنافرة الكلامية والتباهي بالمزايا الطيبة مثل الشرف والكرم والاصول المعروفة والشجاعة والعقل وتلبية نداء المستغيثين وذم البخل والخيانة والغدر فيقول الشاعر :
وقــــد علمـــتْ سليمـــى إن رأيـــي ورأي البخـــــل مختلــــف شتيــــتُ
وانـــي حيــــن تشتجـــــر العوالـــي حوالــــــي اللــــب ذو رأي زميـــت
فالشاعر هنا ينأى بنفسه أن يكون بخيلا لان الاراء مختلفة وهو عند المعارك متعصب جدا نصرة لاهله وقومه .
لا بدّ للحرب حينها من ادوات تناسب ذلك الزمن ويقف السيف في مقدمة تلك الاسلحة وكان لا بدّ لكل شاب عربي من تعلم فنون القتال مبكرا استعدادا لاية مجابهة واقعية او مفترضة وحتى للحماية الشخصية يقول الشاعر :
وعــــادة السيــــف أن يزهــــو بجوهـــره وليـــس يعمـــل الا فـــي يــدي بطـــلِ
فالسيف برغم قيمته المادية والمعنوية الا انه يبقى حديدا الا اذا حركته واستفادت منه يد بطل متمرس ..
والسيف قيمة اعتبارية يباهي به البطل امام حبيبته وقد أجاد عنترة العبسي في صياغة هذه القيمة لا سيما عند تقدح في الذهن صورة الحبيبة في اصعب المواقف الحربية يقول :
فـــوددت تقبيـــل السيـــوف لانهـــا لمعـــت كبـــارق ثغـــرك المتبســــمِ
وليس السيف منفردا بل هناك اسلحة اخرى مثل الخناجر والنبال والرماح يقول الشاعر :
فطعنتــــه بالرمــــح ثـــم علوتــــه بمهنـــــد صافــــي الحديـــدة منحـــدمِ
يقول انه اصاب عدوه بالرمح فوقع فَغلَاه أي انطرح فوقه واستل سيفه وقضى عليه .. ومن يتصفح كتب التراث الشعري يجد ان هناك اسماء كثيرة لمفردات الحرب لا سيما السيف والرمح وغيرهما .
لا بد من الاشارة الى العلاقة بين السلاح والاخلاق اذ لا يكون استعمال السلاح الا لغاية انسانية يدَّعيها الطرفان هذا في جانب وفي جانب آخر تكون الاسلحة مصدرا للتشبيه فلمعان السيف يشبه ثغر الحبيبة كما سبق والرمح يمثل الرشاقة والاستقامة والنعومة وما تزال هذه التشبيهات لها مدلولها الى يومنا الحاضر لا سيما تشبيه المرآة بالناقة كبرياء وبالفرس أصالة والرجل بالحصان قوة واقتدارا .