كامل سلمان
كثيرة هي المطالبات من بعض الكتاب والمثقفين والاعلاميين موجهة للحكومة العراقية بضرورة طرح موضوع التعويضات على الحكومة الأمريكية لما سببه الاحتلال الامريكي من أضرار للعراق كدولة وكشعب ، وبالمقابل لم نسمع أحداً يطالب الحكومة العراقية بأن تطالب دول الجوار التي تسببت بمقتل الملايين من العراقيين نتيجة تدخلاتها بالشأن العراقي ، وتدمير البنى التحتية وتدمير الزراعة والصناعة واعتداءاتها المتكررة المباشرة على كوردستان ودعمها للإرهاب وقطع الأنهر . هؤلاء المطالبين بحقوق العراق من أمريكا وترك دول الجوار تسرح وتمرح بالعراق مثلهم كمثل الذي يريد كسر السلسلة من أقوى حلقاتها خلافاً للعقل والمنطق وخلافاً لطبيعة تركيبة الأشياء .
نعم كلنا نتمنى أن تصان حقوق البلد وتعاد هيبة وكرامة البلد ولكن فلنبدأ بالحلقة الأضعف التي مازالت تلعب وتدمر بالعراق . يدمروننا وبنفس الوقت ندعمهم ونطيعهم وننفذ لهم مايريدون . الحق العراقي مطلوب من الجميع المطالبة به ولا يجوز السكوت عنه ، ولكن الأولى أن نبدأ بمن هو أضعف وهنا يمكننا الاستفادة من الولايات المتحدة الأمريكية كحليف قوي لدعمنا في المحافل الدولية كي ننال حقوقنا ونسترد عافيتنا من الذين أشاعوا الخوف والقتل والارهاب وسرقوا ونهبوا خيراتنا ، ثم تباعاً نطالب الاقوى ثم الاقوى بالتعويضات واسترداد الحقوق . أليس هذا هو المنطق أم أن الموازين تغيرت ؟ أو أن حتى الكلام والمطالبات أصبحت خاضعة لإرادة دول الجوار ؟ على جميع المطالبين باسترداد حقوق البلد والمطالبين بالتعويضات عليهم أن يعلموا بأن دول الجوار إذا أحست بأن العراق يخطط أو يفكر في يوم من الايام أن يعيد حقوقه أو المطالبة بالتعويضات سيحولون العراق إلى بركة دم ، إلى جحيم لا يطاق ومشاكل وأزمات واقتتال داخلي إلى أن يتوب ويتخلى عن جميع حقوقه لهم ، لا بل ويعوضهم عن ما سبب من جرح لمشاعرهم الرقيقة ، ويلبي لهم طلباتهم التي سلبتها أمريكا منهم ويسعدهم حين يطالب العراق دول التحالف الغربي وأمريكا بأن تغادر المنطقة نهائياً لأجل عيونهم ! . على العراق أن ينشغل عنهم بالمطالبة بحقوقه من الدولة العظمى أمريكا ، فهي تسلية لهم وباب لأبعاد العراق عن أي بصيص أمل لإعادة نفسه وبناء كيانه لأنهم يتربصون بالعراق ويريدون نهش كيانه وتقسيمه قبل أن يصحو ، ولولا خوفهم من أمريكا لفعلوا بالعراق ما فعلته داعش بالمدن التي أحتلتها ، فكلهم لهم مخالب جارحة ولكنهم يحاولون إقناع العراق بإنه مثلهم له مخالب جارحة وإنه قوي قادر على أن ينتزع حقوقه من الولايات المتحدة الأمريكية ، وهم يعلمون أن العراق منذ أن خلقه الله لم يكن سوى حمل وديع يتم ذبحه بالمناسبات وغير المناسبات قرباناً لهم .. متى أمتلك العراق هذه المخالب وهو أعجز أن يسترد حقوقه من أصغر دولة جارة ؟ ، نعم صار عنده بعض الأظافر وليست مخالب فدفعوه لثلاثة حروب متتالية حتى قصوا له أظافره وقصوا له أجنحته وبتروا ساقيه ، ولكنهم تركوا لسانه طليق ليتوهم بأنه بلسانه سيكون شرساً وقحاً مثل جيرانه .. لو يمتلك الإنسان العراقي من الجرأة والوقاحة والقسوة معشار ما يمتلكه جيراننا الاعزاء لأصبحنا سادة المنطقة ولأصبح العراق ملكاً على دول الجوار . يدفعونه للمهالك ليهلك نفسه وليحصدوا بعد ذلك ثمرة عنترياته الفارغة وليقولوا للعالم ولأمريكا هذا هو العراق الذي لا يحترم أحداً ولا يبالي لمن ساعده في بناء نظامه الديمقراطي ثم ليصبوا جام غضبهم عليه وعلى كوردستان لأن الكورد أبوا مطالبهم ولم ينكروا فضل من مدت يداه لهم . وللتذكرة الحرب العالمية الثانية أنتهت قبل حوالي ثمانين عاماً ومنذ ذلك اليوم القواعد الأمريكية والجنود الأمريكان وعوائلهم موجودون في المانيا واليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا وتركيا واليونان ، ولم نسمع في يوم من الأيام أحدى هذه الدول تطالب القواعد الأمريكية مغادرة أراضيها أو تطالب الولايات المتحدة الأمريكية بالتعويضات رغم أن القوات الأمريكية فعلت بهذه الدول مالم تفعله بالعراق ، ، والسبب واضح جداً هو أن هذه الدول استطاعت أن تصبح دول صناعية عظمى تحت الغطاء الأمريكي ، لماذا ؟ لأن فيها قادة يفكرون بمستقبل شعوبهم وبلدانهم ، فهل سنحظى بمثل هؤلاء القادة وتتفرغ شعوبنا لبناء بلدانها بدل التفكير في تلبية طلبات دول الجوار ؟