تزرين يعقوب سولا
في لحظةٍ تحمل الكثير من المعاني الروحية والوطنية والتاريخية، اعتلت الكنيسة الكلدانية صفحةً جديدة من مسيرتها العريقة بانتخاب وتنصيب غبطة البطريرك مار بولص الثالث نونا بطريركاً على العراق والعالم، ليقود واحدةً من أقدم الكنائس الشرقية التي حافظت على جذورها الإيمانية واللغوية والحضارية عبر قرون طويلة من التحديات والتحولات.
وقد جاء انتخابه في نيسان 2026 خلال اجتماعات سينودس الكنيسة الكلدانية في روما، خلفاً للبطريرك السابق، وسط ترحيب واسع من الأوساط الدينية والوطنية، ورسائل تهنئة أكدت مكانة الكنيسة الكلدانية ودورها التاريخي في العراق والمنطقة.
إن تنصيب البطريرك الجديد لا يُعد مجرد انتقال إداري أو كنسي، بل هو استمرار لسلسلة تاريخية تمتد إلى أعماق بلاد ما بين النهرين، حيث وُلدت المسيحية الشرقية الأولى، وتشكلت مدارسها اللاهوتية واللغوية والثقافية على أرض العراق التاريخية.
وتعود جذور البطريركية الكلدانية بصيغتها الحالية إلى القرن السادس عشر، حين تأسست أول بطريركية كلدانية متحدة مع روما سنة 1553، بعد انتخاب يوحنا سولاقا بطريركاً، في حدث مفصلي شكّل بداية الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية الحديثة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت البطريركية مركزاً روحياً وثقافياً للمسيحيين الكلدان في العراق والمشرق والعالم.
أما من حيث الامتداد، فقد تجاوزت الكنيسة الكلدانية حدود العراق منذ قرون، فانتشرت أبرشياتها في إيران وتركيا وسوريا ولبنان، ثم امتدت لاحقاً إلى أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا نتيجة الهجرات المتعاقبة. واليوم، يرعى البطريرك أبناء الكنيسة الكلدانية المنتشرين في قارات متعددة، محافظاً على وحدة الهوية والتراث واللغة الطقسية الشرقية.
وعبر التاريخ، لم تكن البطريركية الكلدانية مؤسسة دينية فحسب، بل لعبت دوراً ثقافياً ووطنياً مهماً؛ إذ حافظت على اللغة السريانية الشرقية، وأسهمت في التعليم والطباعة والترجمة، وكانت شاهدة على حضارات العراق وتحولاته، من العصور العباسية إلى العثمانية، ثم الدولة العراقية الحديثة.
ويأتي تنصيب مار بولص الثالث نونا في مرحلة دقيقة يمر بها العراق والمنطقة، حيث تواجه المكونات الأصيلة تحديات الهجرة وتراجع الوجود الديموغرافي، إلى جانب الحاجة لتعزيز قيم المواطنة والتعايش. لذلك، فإن الآمال تتجه نحو أن تكون هذه المرحلة الجديدة مرحلة ترميم للثقة، وتقوية للحضور المسيحي التاريخي، وتعزيز للحوار بين مختلف المكونات العراقية.
لقد بقيت الكنيسة الكلدانية، رغم ما مرت به من حروب واضطهادات وهجرات، حاملةً لذاكرة العراق الروحية والثقافية، وبقيت أجراسها شاهدة على عمق التنوع الذي ميّز بلاد الرافدين عبر آلاف السنين.
وفي تنصيب البطريرك الجديد، لا يحتفل الكلدان وحدهم، بل يحتفل العراق أيضاً بجزء أصيل من تاريخه وهويته الحضارية، لأن الكنائس القديمة في هذا الوطن لم تكن يوماً طارئة، بل كانت دائماً جزءاً من نسيجه الإنساني والثقافي العريق.