الكورد ومجلس الشعب السوري: الشراكة السياسية طريق الاستقرار الوطني

سعد الخضر

في ظل التحولات السياسية العميقة التي تشهدها سوريا منذ سنوات، بات من الواضح أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى على عقلية الإقصاء أو احتكار التمثيل السياسي كما كان الحال في عهد نظام الأسد البائد، بل على مبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية بين جميع المكونات السورية. ومن هنا، تبرز أهمية مشاركة الكورد ووجود ممثلين حقيقيين عنهم داخل مجلس الشعب السوري، باعتبار ذلك خطوة ضرورية نحو بناء دولة أكثر عدالة واستقراراً وتوازناً، بما يحفظ الحقوق والحريات ويؤكد حقيقة التعدد والتنوع الذي تتميز به سوريا.

فالكورد ليسوا مكوّناً طارئاً على الجغرافيا السورية، بل مكوّن أساسي من مكونات البلاد، وهم ثاني أكبر قومية فيها بعد القومية العربية. وقد كان لهم حضور تاريخي وثقافي وسياسي واضح في مختلف المراحل التي مرت بها سوريا، سواء قبل الاستقلال أو بعده، كما شاركوا في تأسيس الدولة السورية وتولّوا مناصب عليا، كرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء وعدد من الوزارات والمؤسسات السيادية.

وعلى الرغم من سنوات طويلة من التهميش السياسي والحرمان من بعض الحقوق القومية والثقافية بعد وصول حزب البعث إلى السلطة، بقي الكورد جزءاً أصيلاً من معادلة الوطن، مؤمنين بأن الحل الحقيقي يكمن في بناء دولة تتسع لجميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء.

وقد جرت أول انتخابات برلمانية في سوريا بعد معركة التحرير وسقوط نظام الأسد، في شهر أكتوبر من عام 2025، وكانت انتخابات استثنائية فرضتها الظروف السياسية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد. إلا أن الحاجة إلى تفعيل المؤسسة التشريعية وملء الفراغ القانوني والدستوري فرضت إجراءها، خاصة أن سوريا الجديدة تحتاج إلى تشريعات وقوانين حديثة، تتعلق بالعدالة الانتقالية، وقانون الأحزاب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة.

غير أن تلك الانتخابات أُجريت في جميع المحافظات السورية باستثناء محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، بسبب الواقع السياسي والعسكري والأمني فيها، بالإضافة إلى محافظة السويداء. وحرصاً من الدولة على ضمان تمثيل جميع المكونات السورية ضمن العملية السياسية، تم تأجيل عقد أولى جلسات مجلس الشعب إلى حين إجراء الانتخابات في تلك المحافظات خلال شهر مايو 2026، والتي أسفرت عن انتخاب عدد من النواب الكورد. ومن المقرر أيضاً بعد عطلة عيد الأضحى المبارك، أن يقوم الرئيس أحمد الشرع بتعيين العدد المتبقي من أعضاء المجلس، على أن يكون للكورد أيضاً حصة ضمن المقاعد المخصصة للتعيين.

إن وجود نواب كورد داخل مجلس الشعب السوري لا يجب أن يُختزل في كونه تمثيلًا شكلياً أو حضوراً بروتوكولياً، بل ينبغي أن يكون تمثيلاً سياسياً حقيقياً يعكس تطلعات الشارع الكوردي، وينقل مطالبه وهمومه إلى مؤسسات الدولة بصورة قانونية ودستورية. فالبرلمان، في أي دولة، ليس مجرد مؤسسة تشريعية فحسب، بل مساحة سياسية لصناعة القرار والتعبير عن إرادة الشعوب والمكونات المختلفة تحت قبته.

ومن هذا المنطلق، فإن مشاركة الكورد في الحياة البرلمانية تسهم في تعزيز مفهوم الشراكة الوطنية، وتفتح المجال أمام معالجة العديد من القضايا العالقة ضمن إطار سياسي ومؤسساتي بعيداً عن التوتر والصدام. كما أن وجود صوت كوردي داخل البرلمان يساعد على طرح الملفات المرتبطة بالحقوق الثقافية واللغوية والتنموية للمناطق الكوردية، والدفاع عن مبدأ المساواة بين جميع المواطنين السوريين.

وفي المقابل، فإن تهميش أي مكوّن وحرمانه من التمثيل الحقيقي لا يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة السياسية والاجتماعية داخل البلاد. فالدول المستقرة لا تُبنى على الإقصاء، وإنما على الاعتراف بالتنوع وتحويله إلى عنصر قوة وطنية. ولذلك، فإن إشراك الكورد في مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس الشعب، يمثل عامل استقرار لا عامل انقسام، ويؤكد أن سوريا المستقبل يجب أن تكون دولة لجميع أبنائها.

غير أن مسؤولية النواب الكورد لا تقل أهمية عن أهمية وجودهم نفسه، إذ إن الشارع الكوردي لا يحتاج إلى شخصيات تحمل الصفة البرلمانية فقط، بل إلى ممثلين يمتلكون الجرأة السياسية والقدرة على الدفاع عن حقوق الناس وقضاياهم، والعمل بروح وطنية مسؤولة بعيداً عن المصالح الضيقة أو الحسابات الحزبية. فالمطلوب اليوم هو تمثيل يعبر عن آمال المواطنين، ويحمل همومهم إلى قبة البرلمان بصدق ومسؤولية وأمانة.

كما أن المرحلة القادمة تتطلب خطاباً سياسيًا عقلانياً يؤمن بالحوار والشراكة، ويرفض لغة التخوين والانقسام. فسوريا الخارجة من سنوات الحرب والأزمات تحتاج إلى مشروع وطني جامع، يقوم على العدالة السياسية والاعتراف المتبادل واحترام الخصوصيات القومية والثقافية لكل المكونات، وفي مقدمتها المكون الكوردي الذي يمتلك مظلوميته الخاصة وتطلعاته المشروعة.

إن الحديث عن مشاركة الكورد في مجلس الشعب السوري ليس حديثاً عن مكسب لفئة دون أخرى، بل عن ضرورة وطنية تتعلق بمستقبل سوريا كلها. فكلما اتسعت دائرة المشاركة السياسية الحقيقية، اقتربت البلاد أكثر من الاستقرار، وكلما شعر المواطنون بأنهم ممثلون داخل مؤسسات الدولة، ازدادت فرص إعادة بناء الثقة الوطنية بعد سنوات طويلة من الانقسام والتشرذم.

وفي النهاية، فإن وجود صوت كوردي حقيقي تحت قبة البرلمان يجب أن يكون بداية لمسار سياسي أوسع، يُعيد الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية، ويؤسس لسوريا جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والتعددية، لا على التهميش والإقصاء. لأن الأوطان القوية لا تُبنى بصوت واحد، بل بجميع الأصوات التي تؤمن بالحرية والكرامة ومستقبل أفضل للجميع.

قد يعجبك ايضا