ماهر نصرت
هناك من يقول بأن الفتوحات العربية التي حصلت في صدر الإسلام أي بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام قد أضرت بالمجتمعات المدنية ونفعتها بالوقت نفسه ، أما من حيث الفائدة فالقوات الإسلامية الفاتحة قد نشرت الدين الإسلامي في تلك الأمصار وما جاء بهذا الدين السمح وتعليماته القائمة على أساس العدل والرحمة والرأفة والمودة والتآلف بالإضافة إلى تحرير العبيد الأذلاء الخاضعين لمالكيهم والغاء الطبقية والمساوات بين الجميع في الحقوق والواجبات وألهمت الرسالة الاسلامية النفوس المعذبة السلام والطمأنينة بعد ايمانها وأن لهم الجنة بعد الموت فأعتنق الكثير من تلك الشعوب الإسلام وساروا على نهج القرآن الكريم وما أوصى به الله سبحانه وتعالى من حلالٍ وحرام ومن خيرٍ وشر .
أما من الجانب الآخر فقد أضرت الفتوحات العربية كما يدعي البعض من المؤرخين أضرت في تقاليد واعراف تلك الشعوب المفتوحة التي تحمل طابع المدنية مثل مدن العراق المتأثرة آنذاك بطبائع بلاد فارس المتقدمة حضارياً وكذلك بلاد الشام التي تحمل بصمة الحضارة الرومانية المتطورة فنقلوا إلى مدنها التقاليد والطبائع البدوية القادمة من الصحراء القائمة على أساس الغزو والعنف حتى تسللت إلى تلك المدن قوانين الصحراء الجدباء المعروفة بالسلب والنهب والقتل والأسر والثأر والدخالة وجلب السبايا من النساء والولدان والغنائم والكرم كما حصل في الفتوحات العربية التي طالت بلاد الأسبان غرباً وبلاد ماوراء النهر أو بلاد القوقاز شرقاً .. وما حال مدننا اليوم التي تطبعت بطبائع الريف والتكتل العشائري وقوانين المشايخ إلاّ امتداد لتلك الحقبة المليئة بالهجرات البشرية من الصحراء وأعماقها لتتمركز وسط نعيم وخيرات بلاد مابين النهرين فراحت مدننا الحضارية تعاني من صعوبة استقبال الطبائع الريفية الممتدة بجذورها الى قوافل البدو الوافدة الذين امتزجوا مع الزمن بأهالي المدن فأصابوا المدنية المسامحة اللطيفية بفايروسات طبائع وتقاليد الصحراء العنيفة …. أن واحداً من أسباب الهجرة الجماعية التي يقوم بها مواطنينا اليوم إلى بلاد الغرب هي للبحث عن تلك المدنية التي فقدناها في مدننا منذ زمن طويل .