علي حسين عبيد
لم أرَهُ من قبل، طفلٌ في عمر الزهور، متّقدُ العينين،حنطيّ البشرة، تفوحُ البراءةُ والذكاء من مطلعهِالصبوح، كنتُ عائداً بسيارة أجرة من العاصمة إلىمدينتي، جمعتني سيارة الأجرة بأبيه، كان رجلاوقوراً، ويبدو عليه الذوق من ملابسه المنسَقة، جلستُإلى جانب الطفل الذي كان يتطلّع في صفحات مجلةصغيرة مخصصة للأطفال، إنه طفل مشرق يجعلكتشعر أن مستقبل البلاد غاية في الإشراق والجمال،لا عيب محدَّد في هذا الطفل، ولا في أبيه الذييجلس جنبهُ كأنه نسخة طبق الأصل من ابنه أوالعكس، ساقني فضولي إلى التطلّع في صفحاتالمجلة الصغيرة وصورها ومنظارها التي تشرحالصدر، أعادتني المجلة إلى طفولتي الصعبة.
كنتُ أحلم بالحصول على مجلة مخصصة للأطفال،كانت رغبتي بالتعلّم كبيرة جدا، لكن الوسائلوالوسائط المتوفرة للتعليم شحيحة أو مفقودة تماما،لا مجلة، لا كتاب، لا ترفيه مخصص للأطفال، لاأنشطة كشفية أو سواها، فقر في التعليم هائل يكبتعلى عقول الطفولة آنذاك، اليوم وأنا أتطلّع لمجلةالطفل، وأرى انغماسه في القصص والصوروالمناظر أحسدُ في سري وأقول، هؤلاء توفَّرَ لهم مالم يتوفر لنا في طفولتنا، وفي غمرة الذكريات سمعتُالطفل يسألُ أباه عن مفردة لم يتمكن من قراءتهامرسومة تحت إحدى الصور في صفحة المجلة،استغربتُ كيف لا يستطيع الطفل قراءة هذه المفردة،إنهُ في العاشرة من عمره تقريبا، ويفترَض أن يكونفي الرابع الابتدائي، قرأها له أبوه وظل الطفل يحاولأن يقرأ الكلمة أكثر من مرة.
كان ركّاب السيارة صامتين، وبعضهم لجأ إلى النوم،إلا هذا الطفل، كانت الحيويّة بادية عليه، فسألته:
– في أي صف أنت يا بطل؟
استغربَ الطفل سؤالي ونظرَ إلي كأنني فاجأتهُ ولميجب عن سؤالي، كررتُ عليه سؤالي نفسه، ولميجبني أيضا، فتنبّهَ أبوه ونظرَ إلي وقال.
– إنّه تركَ المدرسة منذُ أكثر من سنة ولم تنفع معه كلمحاولاتي لإعادته ثانيةً.
هذه المرة سألتُ أباه باستغراب:
– هل تعني بأنه تلميذ متسرِّب من الدراسة؟
– نعم إنه ترك الدراسة نهائيا.
– وما هي الأسباب؟
– هو يخبركَ بها.
لماذا يترك التلاميذ مدارسهم؟
لاذَ الأب بالصمت وظهرت في وجهه علامات الأسفوالقهر وكثير من الألم، أما الطفل الذي كان شعلة منذكاء وحيوية، خبا ذكاؤه وانطفأت حيويتهُ تماماً.
كرّرتُ سؤالي على الأب، لماذا ترك المدرسة، فقالاعفِني من الإجابة، هو يجيبكَ عن الأسباب إذا شاء،كان الطفل يلوذ بالصمت وبدا أكثر أسفا وقهراً منأبيه، لاطفتهُ قليلا وغيّرتُ الموضوع وبدأت بحذرأتحدّثُ معه عن الرسوم الجميلة في المجلة وهلتعجبه، فبدأ يتبادل معي الحديث بحذر، وشيئاًفشيئاً تواصل الحوار بيننا، كان أبوه ينظر إلينابصمت، ثم أدار وجههٌ إلى الجهة الأخرى كأنه لايريد أن يتذكّر الأسباب التي حدت بابنه إلى تركالمدرسة.
وبعد أن اعتاد الطفل على الكلام معي كرّرتُ عليهالسؤال بحذر، وقلت له:
– هل هناك أسباب صعبة جعلتكَ تترك المدرسة؟
بعد صمت وتردد وبشيء من الخجل، قال:
– السبب هو المعلّم.
– المعلمّ!؟ لماذا؟ ما الذي فعله المعلم؟ هل أجبركَ علىترك المدرسة؟.
أجاب الطفل بألم شديد:
– نعم أجبرني على ترك الدراسة؟
– لماذا وكيف؟
أجاب الطفل بقهر:
– كان يضرب الطلاب بالعصا.
واسترسل الطفل في حديثه، وأبوه ينظر إلينا بينحين وآخر، قال الطفل:
كان هذا المعلّم يحمل معه عصا خيزران، وكانيضرب الطلاب بقسوة، في الشتاء كان يضربني 10 ضربات متواصلة وبكل ما يملك من قوة، نبكينصرخ، نتوسل العفو، ولكن لا يفيد هذا، فهو يواصلالضرب بحجة أننا لم نقرأ جيدا، أو لم نكتب الواجب،أو غيرها من الأعذار، مثلا تكلمت مع الطالب الذييجاورك وطلبت منه (قلم، أو مسطرة أو أي شي)،فإن العصا تنهال عليك بقوة، والتفت إلى أبيه الذيكان ينظر إلينا، واستعان بأبيه واستشهدَ بها وقال:
– أكثر من مرة أخذت أبي معي كي يتكلم مع المعلّمومع المدير، لكنه بقيَ يضربني بلا رحمة.
الأب وافق كلام ابنه وقال:
– لم يكن معلّماً، كان إنساناً مريضا نفسياً، وهوالسبب في كراهية ابني للمدرسة، لدرجة أن الطفلرفض الانتقال إلى مدرسة أخرى رغم أنني حاولتمعه مرارا، وفكرتُ أنقله إلى مدرسة أهلية، لكنه رفضوهددني بالهروب خارج البيت إذا أجبرتهُ علىالذهاب إلى المدرسة.
أنا شخصيا حاولت أن أقنعه بكل ما أمتلك من اقناعأن يعود إلى مدرسة أخرى، وتكلمتُ معه عن ذكائهوعن المستقبل وأهمية العلم والشهادة في حياته، لكنهلم يستوعب كلامي وظلّ شبح المعلم وعصاه ماثلةأمام عينيه، حتى أن الطفل كان يرتجف ويشعربالخوف عندما أتكلم معه عن المدرسة وأهميتهاوحتمية عودته لها، وقال بالحرف الواحد، كرهتُالمدرسة ولن أن أعود إليها أبداً.
السؤال الآن، منْ الذي يتحمّل مسؤولية هذا الطفلومئات المتشربين مثله، أليس هو العنف الذي يُمارَسضد التلاميذ، نعم هناك أسباب اخرى تساعد علىاستمرار ظاهرة التسرّب، ولكن كل تلك الأسبابيمكن معالجتها لأنها في الغالب مادية ويمكنعلاجها، لكن العنف المدرسي بالضرب أو اللفظالغليظ لا يمكن معالجته لأنه شيء نفسي يترسَّب فيأعماق المعلم، فنقص المدارس مقدور عليه بزيادةالبنايات وتحسين التعليم وزيادة وسائل الإيضاحوتوفير القرطاسية وبناء الحدائق والمرافق الصحيةوتدفئة الصفوف أو تبريدها، هذا كلها ممكنة المعالجةلأنها مادية، ويتم القضاء عليها بالتخطيط والأموال،ولكن كيف نقضي على العنف وهو يصدر من نفسمريضة؟
هذا السؤال نضعه أمام كل تدريسي يلجأ إلىالعنف بالضرب أو بالكلام الخشن مع التلاميذ،ونقول له أنه سبب في استمرار ظاهرة تسرب الطلابمن صفوفهم وفقدانهم لدراستهم ومستقبلهم العلميالأفضل، ليس هناك مغالاة في طرحنا لهذاالموضوع، ولا نستهدف أحدا تدريسيا أو غيره، فماورد في هذه القصة عشته بنفسي ولم ينقله لي أحد،فالطفل الذي ركبتُ معه في سيارة الأجرة كانيستحق الأفضل، ومن المؤسف حقا أنه سيصبحعبء على نفسه وعائلته ومجتمعه بسبب خطأ العنفالذي قام به معلّمه، في حين أن المعلم هو النموذجالأمثل لتلاميذه، مطلوب أن يترك التدريسيون العنفبكل أشكاله لأنه السبب الأول في استمرار وتفاقمظاهرة التسرّب من المدارس.