ماهر نصرت
… دخل التطور الحضاري الغربي الى حياة مجتمعنا كالموج الهادر بعد ان كنا في انعزال تام عن العالم الخارجي لغاية عصر التسعينيات من القرن الماضي فقد كنا وما زلنا مقيدون باعراف اجتماعية تميل الى النظام العشائري الريفي الذي يمتد بجذوره الى العرف البدوي الذي يدعو الى الثأر والمغالبة وحب النفس والحشمة المبالغ فيها والتحفظ المفرط والسعي الدائم وراء الظهور والمشيخة والفصل العشائري التي جعلوها بديلاً عن الغزو والادمان على الفوضى والتهرب من تنفيذ الانظمة الحكومية المشرّعة فقد ادخلنا هذا وذاك في صراع دائم مع الذات واضطراب الضمير ومن ثم الازدواج في الشخصية … أن تقاليدنا تدعو الى شيىء والنظام الحضاري ( العولمي ) الجديد يدعوا الى شيىء آخر يختلف اختلافاً عميقاً عن نشأتنا فقد تسبب هذا في ولادة صراع عنيف داخل نفوسنا الذي جعلنا نختلف في سلوكنا ونزدوج في شخصياتنا ، فقد صار الابناء ينقلبون على ابائهم ويرحلوا برغباتهم مع فسيفساء الحضارة الجديدة التي شهدوها ونشأوا مع مغرياتها أما الآباء فقد باتوا اسرى تقاليدهم القديمة التي أدمنوا عليها بعد ان أنغرست مع جذور ماضيهم حتى تحولت العلاقة بين الابن وابيه الى علاقة تقوم على الجفاء بسبب الاختلاف في وجهات النظر وتباعد في الرغبات وتضارب في المصالح فصار الصدام بين الطرفين عادة يومية تزداد رفضاً وعنادا ، فلا الابناء يتقبلون نصائح الآباء ولا الاباء يستسلمون لرغبات الابناء ولا ندري من هو الاصح في هذا الزمن الذي تغيرت فيه القيم والمبادئ واصبحت علمانية هي الاخرى تحاكي ما موجود في دول الغرب من حرية فاضحة تجاوزت الخطوط الحراء لتحفظنا الاسلامي ! واستمر هذا السجال أي ( المناوشة ) في النفور بين الاباء والابناء حتى ضاقت الصدور وبلغت النفوس اقصى درجات الصبر … يبدوا أن الاباء قد يأسوا من المعارضة ولجاجة النصح الغير مجدية ، ويظهر في الافق القريب والبعيد ان الموج الحضاري القادم هو الذي سينتصر شئنا أم ابينا لآن اباء الماضي الخائفون راحلون بأفكارهم العتيقة وقلوبهم المرتجفة وسيحل محلهم الابناء المجددون مع حركة الزمن كما نرى من تحدي الشباب الجريء الذي حصل في ساحة التحرير وسط بغداد وبقية البلاد والعباد فسيأتي مجددون ويرحل محافظون لتستمر دورة نشأة الامم في الطبيعة وهكذا دواليك.