النساء والحق في الاجتهاد وإنتاج المعرفة .. قراءة في مفهوم النقص وتأويلاته/2

 

د. فاطمة حافظ*

 

وبحلول القرن الثامن الهجري-الذي شهد الهجوم المزدوج الذي شنه الصليبيون والتتار على ديار الإسلام وما استتبعه من تراجع في حركة الاجتهاد وتنامي محاولات الحفاظ على الهوية الإسلامية- نلمح إرهاصات منع النساء من بعض الممارسات في المجال العام، ولكنها في ذلك الحين لم تصل إلى محاولة منعهن من الاجتهاد أو الانخراط في المجال المعرفي استناداً إلى مقولة النقص العقلي، ولعل ما يرويه المؤرخ الصفدي عن فاطمة بنت عباس –وفي بعض التراجم عياش-(ت 714هـ) ما يوضح ذلك.

ولدت فاطمة في بغداد وتلقت العلم على يد شيوخها وارتحلت إلى دمشق ثم القاهرة ودرست الفقه دراسة عميقة حتى بلغت مكانة رفيعة أهلتها لأن تناظر فقهاء زمانها وتتفوق عليهم في بعض المسائل، وقد عاصرت ابن تيمية، ويبدو أن مكانتها العلمية جعلتها في موضع المقارنة معه من جانب معاصريهم فيقول الصفدي “لو عاينتها لقرُبت من الشيخ تقي الدين [أي بن تيمية] في تفضيلها… هذه التي يصح أن يقال عنها أنها بأربعة أخصية لأنها مؤنثة قد تفردت بالتذكير وعارفة لم يدخل عليها تنكير”. ويشرح الصفدي أبعاد العلاقة بينها وبين ابن تيمية فيذكر أن ابن تيمية رغم إعجابه بعقلها وذكائها وثناؤه عليها صراحة إلا أنه بقي في نفسه شيء منها لأنها تصعد المنبر، فهمَّ أن ينهاها غير أنه رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في منامه وسأله عنها فأخبره أنها امرأة صالحة[15]، وما يهمنا في رواية الصفدي عن ابن تيمية أنها تشير بوضوح إلى أن وجود النساء في المجال العام وبعض ممارساتهن باتت تشكل حساسية معينة لدى الفقهاء، وأن إرهاصات منع النساء من الانخراط في الشأن العام بدأت تتبلور في ذلك الوقت.

وعلى هذا، شهدت القرون التالية مزيدًا من الانحسار، فتقلصت أعداد العالِمات في كتب التراجم وندر وجود فقيهات بينهن، وتركز الحضور النسائي العلمي في مجال الحديث والتصوف وذلك لارتباط الفقه والإفتاء في ذلك الوقت بمؤسسة القضاء، ورغم ذلك فإننا لا نعدم حتى القرن العاشر الهجري وجود فقيهة ومفتية في وزن عائشة الباعونية (ت 922هـ) التي ولدت في دمشق وارتحلت إلى القاهرة وتلقت العلم على يد شيوخها وأجيزت بالتدريس والإفتاء في عصر السلطان المملوكي الغوري، وأهلتها معرفتها المعمقة أن تضع عدداً من المؤلفات الفقهية والأدبية بعضها موجود حتى الآن.

وإذا كان الحضور العلمي النسائي في المنطقة العربية قد تقلص فمن المرجح أنه استمر خارج هذه المنطقة، فقد برزت في الهند زيب النساء ابنة الشاه محي الدين عالمكير (ت 1113هـ) وقد حفظت القرآن وتلقت العلوم الشرعية وأتقنتها وأتقنت علوم العربية ونظمت الشعر، وقد ذكر عادل نويهض أن لزيب النساء[16] كتاباً في التفسير عرف باسم (زِيب التفاسير)، وسواء أكان تأليفاً خالصاً أم ترجمة عن العربية لتفسير الفخر الرازي فإنه يعدُ أول محاولة نسائية لإنتاج علمي حول القرآن الكريم[17].

وفي الحقب التاريخية التالية لا نكاد نعثر على عالمات بمثل هذا الثقل العلمي، إذ شهدت المعرفة الدينية عموماً تراجعاً كبيراً في العصر العثماني، واقتصرت على إنتاج شروح وحواشي وتعليقات على ما كتبه المتقدمون. وفي موازاة هذا التراجع العلمي شهدت الأوضاع الاجتماعية والثقافية عموماً وللنساء خصوصًا تراجعاً مماثلاً تأثراً بالمفاهيم والممارسات العثمانية، وعلى رأسها “مؤسسة الحريم” وما ارتبط بها من قيم المبالغة في الاحتجاب واستهجان مشاركة النساء في المجال العام، وعلى هذا استبعدت النساء من حلقات العلم في المسجد، وأصبحت العملية التعليمية تجري في المنزل/المجال الخاص لذوات الطبقة العليا والمتوسطة من النساء دون الفقيرات.

يسمح لنا هذا العرض التاريخي -على وجازته- الادعاء بأن مشاركة النساء في العملية المعرفية تعد ظاهرة ممتدة –إلى حد بعيد-، فلم تشهد انقطاعاً زمانياً أو مكانياً عبر التاريخ الإسلامي، وتواصلت عبر المجالات المعرفية كافة. ورغم أننا ركزنا في غالبية النماذج التي سقناها على المجال الفقهي فذلك لأن مشاركة المرأة في علم الحديث هي مشاركة ثابتة وليست محل جدل، ورغم ذلك يمكن الإشارة إلى أن عدد من لهن رواية من النساء في كتب الحديث الستة الصحاح بلغ 132 امرأة، وقد تمتعن جميعاً بشروط القبول والصحة[18] وهي: الإيمان، البلوغ، العقل، العدالة، الضبط. والثابت أنه لم يطعن في أي راوية منهن تذرعاً بنقص العقل الوارد في الحديث، ويؤكد ذلك المعنى ما ذكره الإمام الشوكاني (ت 1250هـ) من أنه “لم ينقل عن أحد من العلماء بأنه رد خبر امرأة لكونها امرأة، فكم من سُنّة قد تلقتها الأمة بالقبول من امرأة واحدة من الصحابة، وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة. لم ينقل أيضاً عن أحد من المسلمين أنه يرد الخبر بمجرد تجويز نسيان ناقله، ولو كان ذلك مما يقدح به لم يبق حديث من الأحاديث النبوية إلا وكان مقدوحاً فيه”[19]، ولعل هذا ما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن نص الحديث لم يتم تفعيله بشكل كلي ليدمغ النساء بوصمة النقص وإنما ظل استخدامه قاصراً على الحالات التي نص عليها الحديث وهي الإكثار من اللعن -الدعاء بالطرد من رحمة الله- وتكفير الزوج، وهي حالات تقترن بالمجال الخاص دون المجال العام.

وتستدعي مشاركة المرأة في علم الفقه أيضاً إعادة النظر في مسألة علاقة الحديث الشريف/النص بالواقع؛ فقد فرض اجتهاد النساء نفسه على الفقهاء وأصبح محل نقاش في مؤلفاتهم الفقهية؛ فابن حزم الأندلسي وابن رشد والإمام الغزالي لم يشر أيٌ منهم إلى اشتراط الذكورة في الاجتهاد، وهو ما يعني ضمنياً دخول النساء فيمن يحق لهم الاجتهاد. أما الإمام النووي فقد نص في كتابه المجموع على تساوي الرجل والمرأة في منصب الإفتاء –الذي كان رديفاً للاجتهاد-، وأجاز ابن قدامة المقدسي إفتاء المرأة دون قضائها. على حين فنَّد الإمام السرخسي دعوى القائلين بأن الفتوى لا تحل إلا لأزواج النبي دون غيرهن من النساء، واعتبره رأياً باطلاً.

ويبدو واضحاً من مناقشات الفقهاء المتقدمين أنهم قصروا بحثهم على تحديد شروط الاجتهاد ومشروعية اجتهاد المرأة وإفتاؤها ولم يتطرقوا إلى نقصان عقلها، غير أن المتأخرين لم يقتفوا أثرهم فزكريا الأنصاري وهو من علماء القرن العاشر الهجري يناقش في كتابه (غاية الوصول إلى شرح لب الأصول) شروط المجتهد ويستدعي مسألة النقص، فيقول أنه لا يشترط في الاجتهاد الذكورة “لجواز أن يكون للنساء قوة الاجتهاد وإن كن ناقصات عقل”[20]. ولكن يبدو أن الحق في الاجتهاد سيصبح في العصر العثماني وما يليه محل شك، فقد ذهب تقرير علمي أعده بعض علماء الشريعة في أوائل القرن الرابع الهجري إلى حد تعريف المجتهد بأنه “الرجل الوجيه عند الله وعند الأمة، البالغ مبلغ العلم ومعرفة مدارك التشريع وأسرار الشريعة” وهو ما يعني ضمنياً إقصاء النساء من دائرة الاجتهاد “واختراع أصول جديدة للشرع لم يقل بها أحد من أهله”[21] حسب وصف رشيد رضا في مجلة المنار.

استخلاصاً مما سبق يمكن أن نجمل بعض الملاحظات حول مفهوم النقص كما ورد في الحديث الشريف، وهي كالتالي:

الأولى: أن النقص لم يكن مقولة جامعة مانعة حسب قول المناطقة، فلم تدمغ عموم النساء بوصمة النقص الذي ظل مقتصراً على الحالات الواردة في الحديث الشريف ولم يتعداها، ومن جهة ثانية لم يقف النقص مانعاً أمام إسهام النساء في العملية المعرفية.

والثانية: أن تعريف النقص –المفترض- لدى علماء السلف لم يخرج عن أحد معنيين هما النسيان وقلة الضبط، وهذه الأخيرة تصبح محل شك مع قبول المحدثين رواية المرأة للحديث، وبالتالي لم يعن النقص الحط من قدرات النساء العقلية أو التشكيك في قدرتهن على الاشتغال بالعلم وإنتاج المعرفة.

والثالثة: أن مقولة النقص تم استدعاؤها أو بالأحرى إعادة اكتشافها في عصور التراجع الحضاري، وجاء ذلك عبر مرحلتين، في الأولى اكتفي بإيرادها حال التعرض لاجتهاد النساء للتلويح بأنهن “ناقصات عقل” رغم اجتهادهن، وفي المرحلة التالية تجاوز الأمر مجال التلويح إلى حيز التفعيل حيث استخدمت المقولة لإضفاء الشرعية على عملية إقصاء النساء من المجال المعرفي وتبرير ممارسات اجتماعية قائمة على الحجب والعزل.

من خلال هذا العرض التاريخي نستخلص أن المشكلة لا تتعلق بالنص الديني في حد ذاته وإنما في كيفية التعامل معه وتنزيله على أرض الواقع، وكما لاحظنا فإن الحديث استدعي في لحظة تاريخية شهدت هجوماً عنيفاً استهدف وجود الإسلام ككيان عقيدي وحضاري، وتم ترسيخه في عصور تالية عرفت بانكماش حركة الاجتهاد والتراجع الحضاري، وبالتالي فإن هناك حاجة لأن نفهم هذا الحديث في ضوء سياقه الخاص الذي صدر فيه للمرة الأولى وعلاقته بالنصوص الدينية الأخرى إن أردنا فهما أدق للنص.

قد يعجبك ايضا